أزمة النفايات: اليكم التوافق المالي الملغوم مع الشركتين

  • محليات
أزمة النفايات: اليكم التوافق المالي الملغوم مع الشركتين

في شهر تموز الفائت، تجاوزت الدولة والشركتان تداعيات إضراب العمال الأجانب، الذين رَفَضوا تقاضي رواتبهم بالليرة اللبنانية نظراً لتدهور قيمتها، فيما عقودهم بالدولار تماشياً مع عقود الشركتين مع الدولة. هذا التجاوز الذي حَصَلَ بفعل التراضي و"المَونة" والوعود بإيجاد حلول منصفة، وَجَدَ طريقه إلى التنفيذ، فتراجَعَ العمال عن إضرابهم ورُفِعَت النفايات من الشوارع.

الوعود لم تنجَح، فانتقلت الأزمة إلى إدارة الشركتين. إذ تزايدت التكاليف على عاتقهما، وهي تكاليف دولارية، ومنها تكاليف المحروقات وقطع الغيار وإطارات الشاحنات... وغيرها. فتحوَّلَ الاعتراض من عُمّالي ضد الإدارة، إلى الإدارة ضد الدولة. لكنّ النتيجة واحدة، وهي عودة النفايات إلى الشوارع، خصوصاً في منطقة جبل لبنان، وصولاً إلى الضاحية الجنوبية لبيروت.
إتفاق هزيل
نجحت المساعي التي قادها وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال، غازي وزني، بالتعاون مع رئيس اتحاد بلديات الضاحية والجنوبية محمد درغام، بإيجاد "آلية" للحل، عبر مصرف لبنان. قَبِلَت الشركتان بالآلية، من دون الإعلان الصريح عن تفاصيلها، وبَدَأت على الأثر عملية رفع النفايات من الشوارع.

ما جرى التكتّم عليه، كَشَفَته مصادر متابعة للملف في حديث لـ"المدن". إذ تمَّ التوافق على "قيام الدولة بتسديد قيمة قروض الشركتين بالدولار، من دون دفع أموال نقدية، وإنما عن طريق تحويلات مصرفية، وطرق أخرى يجري التوافق عليها بين الدولة والشركتين. أمّا في حال احتاجت الشركتان دولارات نقدية، فتقبضها من الدولة وفق سعر المنصة الإلكترونية، أي 3900 ليرة للدولار".
يتَّفِق توصيف درغام للاتفاق مع ما تراه الشركتان. فالجميع يشهد أن قبول الشركتين بالطرح المعروض، هو أمر إيجابي، "وإذا سار الاتفاق بحسب الخطة التي وضعها وزير المالية، فلن يتوقّف عمل الشركتين"، حسب ما يراه درغام خلال حديث لـ"المدن".
حماسة درغم لحل الملف ينطلق من أهمية عدم تكرار أزمة النفايات. فبالنسبة إليه "ملف النفايات هو أولوية، كتوفير الأكل والشرب والدواء والمحروقات. ولا يمكن للمواطنين احتمال تكدّس النفايات في الشوارع، لما يحمله ذلك من مخاطر بيئية وصحيّة". ورغم ذلك، تكمن تفاصيل أخرى في طيّات ملف النفايات، قادرة على نسف مفاعيل أي اتفاق تسووي لا يَلحَظ الحلول المستدامة، وهو ما لا ينفيه درغام.
أسئلة كثيرة
إنطلاقاً من تعقيد أزمة الدولار التي تواجه البلاد برمّتها، تصبح التسوية التي عقدها وزير المالية مع الشركتين، هشّة ولا يمكن الاستناد عليه. فمَن يَضمَن للمواطنين شفافية تطبيق الآلية وعدم إعطاء الشركتين دولاراً نقدياً؟ فيما التساؤل الأبرز يبقى عن سبب التفريط بالدولارات المتبقّية لدى مصرف لبنان. وأبعد مِن ذلك، لمصلحة مَن يجري التعاقد مع الشركات بعقود دولارية بدل الليرة اللبنانية؟
وبالعودة إلى آلية الحل، مَن يَضمَن استمرار قبول الشركتين بمفاعيل هذه التسوية مع تواصل ارتفاع سعر الصرف، فيصبح السعر الحقيقي الذي يعبّر عنه سعر السوق السوداء، على مسافة بعيدة جداً مع سعر المنصّة، على نحو يصعب على الشركتين تغطية فارق الأسعار؟

أسئلة كثيرة لم تجد مَن يجيب عليها، وهي كفيلة بتفخيخ الاتفاق، وجعله اتفاقاً مرحلياً لا يغدو كونه سبباً لرفع النفايات من الشوارع، ريثما تصل الدولة والشركتان إلى العقبة التالية. وأخطَر العقبات التي يحذّر درغام من اقتراب موعدها، هي "امتلاء المطامر وعدم قدرتها على الاستيعاب". فالحلول الجزئية تؤدّي إلى استئناف عملية الكنس والجمع، لكن أين ستوضَع النفايات بعد ذلك؟ "هي أزمة ستنفجر مستقبلاً"، يقول ضرغام، لذلك "يسعى اتحاد بلديات الضاحية لإيجاد حلّ مستدام لمشكلة النفايات. وهو حلّ يجب أن تعمل عليه الدولة سريعاً".
ارتكبت المنظومة الحاكمة خطأً قاتلاً بعدم حلّها لأزمة النفايات منذ العام 2015 على الأقل. فاستسهلت اللجوء إلى التسويات والتحاصص. وهو مسار ينقلب دوماً على سالكيه وعلى البلاد وخزينتها وبيئَتها وفاتورتها الصحيّة.

 

المصدر: المدن

الكاتب: خضر حسان