الأمن مقابل المياه... تركيا نحو بغداد المفتوحة بالتساوي؟!

الأمن مقابل المياه... تركيا نحو بغداد المفتوحة بالتساوي؟!

مهمة صعبة ومثقلة بالملفات الحساسة تلك التي يحملها معه رئيس الوزراء العراقي في اوّل زيارة له لتركيا منذ تولّيه لمنصبه. مصطفى الكاظمي استُقبل في انقرة من قبل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يسعى في مهمة وُصفت بشبه المستحيلة لتفكيك العديد من القضايا العالقة بين البلدين منذ نحو ثلاثة عقود.
قضايا زادت من تعقيدها التغيرات المتسارعة على مستوى التحالفات والتجاذبات السياسية في المنطقة. فهل سينجح الكاظمي في إعادة التوازن للعلاقات العراقية - التركية التي تأثرت بالعديد من الأزمات المتلاحقة، بدءًا من التدخل العسكري التركي في شمال العراق، مرورًا بمساعي حكومة الكاظمي لنسج علاقاتٍ مميزة مع دول ترى فيها أنقرة أنها منافسة، وصولاً إلى أزمة المياه التي تؤرّق العراقيين في بلاد الرافدين؟
في وقت أوضح فيه إردوغان أن تركيا تولي أهمية لحماية وحدة أراضي العراق وكيانه السياسي ومستعدة لتقديم أشكال الدعم لعملية إعادة الإعمار من خلال هذه الزيارة وهذا التصريح... في أي مستوى تقف اليوم العلاقات العراقية- التركية؟
يشير أحد المحللين السياسيين للعلاقات الدولية التركية إلى أن العلاقات بين البلدين لطالما كانت متميّزة منذ عقود؛ صحيح أن بعيد الإحتلال الأميركي للعراق تدهورت الأوضاع وساءت الأمور في الداخل العراقي مصحوبة بعدم استقرار سياسي وأمني ما أدى إلى تقلبات في العلاقة بين البلدين. الا ان تاكيدات تركيا على أهمية وحدة الأراضي العراقية على اختلاف التغيرات التي شهدها المشهد العراقي بقيت على حالها، خصوصًا اليوم في ظل الأجواء غير المواتية والعصيبة التي يعيشها العراقيون من جائحة كورونا إلى الاضطرابات السياسية، حيث تبدي أنقرة استعدادها لتقديم أنواع الدعم كافة للحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي ومحاربة الإرهاب للتوصل إلى حلول بنيوية مع حكومة عراقية جديدة واعدة مدعومة من جارتها التركية بأعلى مستوى من التعاون وابرام اتفاقيات في مجالات متعددة.
ما سيشكّل جزءًا من الحل على المستويين السياسي والأمني في المنطقة. لكن لا بدّ ان نفهم ما الذي يريده الكاظمي من خلال هذه الزيارة الاولى له وفي هذا التوقيت بالذات وما الذي تريده بغداد من أنقرة؟
مما لا شك فيه أن الوضع العراقي عمومًا غير مستقر على جميع المستويات. ناهيك عن المشاكل التي تواجه النظام السياسي القائم على الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية. لذلك نراه يسعى لرأب الصدع مع محيطه خصوصًا العربي. لكن لا بد من الإشارة إلى أن كل من إيران وتركيا تشكلان عناصر ضغط، نظرًا للعمق التاريخي للامبراطوريتين العثمانية والفارسية وآثاره على السياسات الحالية.
اما بالعودة إلى حكومة الكاظمي فزمنها مؤقت وينتهي في حزيران المقبل، ومع ذلك يسعى لإيجاد حلول سريعة في ما يتعلّق بموضوع المياه التي تؤرّق العراقيين يقابله حاجة تركية من الجانب الأمني والمتعلّق بحزب العمّال الكردستاني الذي جعل من العراق ملاذًا يؤوي فيه عناصره.
لذلك لطالما سعت تركية إلى تتبع الحزب ورصده داخل العراق. كما لا يجب أن ننسى أن هناك عقدًا تاريخيًا قديمًا، منذ النظام السابق، يسمح لتركيا دخول الأراضي العراقية وتتبع الجماعات المسلحة التي تتهدّد أمنها. ولكن تصريح الكاظمي بعدم السماح للارهابيين باستخدام أراضي العراق ضد جيرانه يطرح سؤالا مفاده هل يعني ان العراق سوف تحارب حزب العمال الكردستاني بشراسة أكثر من أي وقت مضى؟
هنا لا بد من العودة الى إتفاق "سنجار" الذي عُقد بين القيادات الكردية في إقليم كردستان والحكومة المركزية في بغداد الذي بموجبه تم طرد عناصر "الحزب" من منطقة سنجار التي كانت مستهدفة من قبل القوات التركية وشهدت عمليات قصف مهولة. اليوم الآمال معقودة من قبل الكاظمي على القيام بخطوات على غرار ما حدث في سنجار. وربما يكون هذا نوعًا من الإغراءات التي سيقدمها الكاظمي لأنقرة بغية تسهيل مسألة رئيسة تتعلق بالمياه، خصوصًا مياه نهري دجلة والفرات التي ستواجه في الصيف المقبل مشكلات كبيرة. أضف إلى ذلك مسألة السياح العراقيين الذي يواجهون، منذ العام 2016، معوقات وضعتها تركيا تحول دون دخول العراقيين أراضيها.
بالعودة إلى مشكلة الماء تواجه اليوم بلاد الرافدين عطشًا وذلك لأسباب عدة وتشكل مأساة حقيقية منذ سنوات بسبب انخفاض منسوب نهري دجلة والفرات بنسبة 50% والذي صاحبه ارتفاع في نسبة ملوحتها، ما جعلها غير صالحة للشرب والزراعة. كما لعب التغير المناخي دورًا في جفاف الرافدين، لكن مشروع "غاب" التركي الذي يقع جنوب شرق الأناضول ساهم بشكل كبير بالتصحّر الذي يشهده الفرات، خصوصا وأن المشروع التركي يشمل إقامة 14 سدًّا على ضفاف نهر الفرات و8 سدود على ضفاف دجلة داخل الأراضي التركية، ناهيك عن عشرات محطات توليد الطاقة. وعلى الرغم من الوعود التي قطعتها تركيا للعراق عام 2018 بأن لا تتضرر مصالحه المائية من ملء السدّ؛ إلا أن انخفاض نسبة هطول الأمطار في العراق العام الماضي كشف عكس ذلك! ولعل صور العام الماضي لآلاف الأسماء التي نفقت على ضفاف دجلة والفرات بعد انخفاض منسوب المياه فيهما، بالإضافة إلى ضرب العديد من الزراعات في المنطقة خير دليل على ما يحصل!
بالعودة إلى زيارة الكاظمي إلى أنقرة لا بد أن نعرّج على زياراته الأخيرة الى إيران والسعودية ودول أخرى... إلى أن حطّ رحاله في أنقرة. هل يمكن القول أن الزيارة جاءت متأخرة؟ ام أن الأمر متعلّق بالأقربون فالأقربون؟
ما يجب رصده هنا إلى أن حكومة الكاظمي عمومًا مضطربة على الصعيد الداخلي إلى حدّ كبير، حيث لم تتمكن من حلّ المشاكل الأمنية التي تواجه الشعب العراقي. كما أن زيارته الاخيرة لطهران لم تؤتِ ثمارها، إذ لم ينجح في تحقيق أي خرق بقرارها بقطع المياه عن العراق. والأمر نفسه ينسحب ربما على زيارته لتركيا لأنها تحتاج لضمانات أمنية والتي ليست متوافرة على أرض الواقع. لكن هناك تبدّل حصل عقب عقوبات واشنطن الأخيرة على تركيا ما سيدفع انقرة إلى كسر الطوق وتسهيل المهمات. كما تولي تركيا أهمية قصوى للتبادل التجاري مع العراق والذي يقدّر بـ15 مليار دولار، كما تعجّ الأسواق العراقية بالمنتجات التركية التي يفاضلها المواطن العراقي عن مثيلاتها الايرانية.
في الختام، في ظل انفتاح العراق على دول الجوار أكثر والمنطقة عموماً مثل السعودية ودول الخليج العربي وحتى دول أوروبية وكيف تطوّرت العلاقات مع فرنسا.
يبقى سؤال: إلى اي مدى يمكن القول أن أنقرة اليوم تسارع، على الأقل، لأن تجد موطئ قدم لها او بمعنى آخر ان تثبّت قدمها أكثر في العراق، بعد أن أعلن الكاظمي أن أبواب بغداد مفتوحة أمام الجميع بالتساوي؟

المصدر: Kataeb.org

الكاتب: هادي بو شعيا