التحرر من الماضي

  • مقالات عربية
التحرر من الماضي

على الرغم من مرور اكثر من ثلاثين عامًا على انتهاء حرب ال١٩٧٥-١٩٩٠، مازال هناك جزء كبير من اللبنانيين اسرى تلك الحرب، ولم ينجحوا وللأسف خاصة بعض السياسيين منهم من التحرر من ذلك الماضي للإحاطة بأمور الحاضر اكثر والذهاب معًا نحو بناء المستقبل. وعملية التحرر هذه لا يمكن ان تبدأ إلا عبر ذكر الأخطاء التي ارتكبت خلال تلك الحرب، وذلك من خلال وضع تلك الأخطاء في سياقها التاريخي للاتعاظ منها بهدف عدم تكرارها، أي وبكلام اخر الذهاب نحو مصالحة ومصارحة جدية وصادقة بين اللبنانيين تنتهي بطيّ السياسيين لصفحة تلك الحرب. وانطلاقا من ذلك، تُطرح عدة علامات استفهام: ما هي الأسباب الكامنة وراء استمرار بعض اللبنانيين في التصرف كرهائن ذلك الماضي، وما هي الآليات التي يمكن الركون اليها لشروع في تحررهم؟

ينقسم اللبنانيون وتحديدًا السياسيون منهم، وتبعًا لنظرتهم الى الماضي، الى فئتين: الأولى تنظر الى الماضي وكأنه مادة أولية تستغلها في السياسة اليومية من خلال استذكار بعض أحداث الماضي بطرق متجزأة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ما حصل في فترة الحرب وذلك لتنسب اليها بطولات وهمية هي بأمسّ الحاجة اليها لتلطي بها بهدف تبرير سياساتها وخياراتها التي برهنت الأيام على فشل معظمها. في حين تقوم الفئة الثانية من اللبنانيين، والتي تضم اقلية من السياسيين، بالنظر الى الماضي من خلال استذكار احداثه كما حصلت ومن دون أي خجل او تبرير لامنطقي، وذلك بهدف عدم تكرار بعض تلك الاحداث المؤلمة، كما ان التذكير ببطولات واستشهاد الابطال هو بهدف جعل هذه الاخيرة معيارًا للعمل السياسي اليومي ومعيارًا في اتخاذ الخيارات المناسبة، والتي ربما تكون في بعض الأحيان الخيارات الأكثر كلفة.

يُساعدنا شرح الواقع بهذه الطريقة في عملية إيجاد الوسيلة الناجعة للشروع في عملية تحرر اللبنانيين من الماضي. وكما ان معالجة المعضلات الاجتماعية والاقتصادية والصحية تتم من خلال العلم فقط، فبالتالي فقط من خلال علم التاريخ يجب ان تتم معالجة تحرير اللبنانيين من الاسر الذي هم فيه. فالتاريخ هو علم قائم بذاته يمتلك منهجية واضحة تقوم على ركنين أساسيين هما مصادر المعلومات والموضوعية، ومن دونهما يصبح كل حديث عن الماضي مجرد ملحمات شعرية. لذلك فالتاريخ هو علم غير جامد بل على العكس هو في تطور مستمر وذلك نتيجة تطور وتنوع مصادر المعلومات، كما ونتيجة لتطور النظرة الى احداث الماضي. 

ومن هذا المنطلق، وبناء على الواقع السياسي العام في لبنان يصبح تسليط الضوء على تاريخ لبنان خلال الحقبة الفينيقية هو بهدف تذكير اللبنانيين بجذورهم وبهويتهم الوطنية القائمة على الانفتاح وتبادل الأفكار والخبرات والابداع وفي أهمية انتهاج سياسة الحياد التي لجأ اليها عدد من المدن الفينيقية، وخاصة جبيل، ما بين القرنين التاسع والسادس قبل الميلاد. كما وانطلاقًا من ان التاريخ هو علم كسائر العلوم انتشار المسيحية والإسلام في لبنان هو من منطلق اغناء الثقافة اللبنانية، كما يصبح تأسيس الكنيسة المارونية والجماعة المارونية حولها في لبنان مصدر الهام للبنانيين اليوم من خلال ما يمكن استخلاصه من عبر في كيفية محافظة تلك الجماعة على وجودها ودورها وهويتها بالرغم من كل ما تعرضت له من مصاعب وويلات. وبناء على ما تقدم تُصبح احداث الحرب التي دارت رُحاها في لبنان بين العامين ١٩٧٥ و١٩٩٠، وفي كل مرة نستذكرها، كإنذار للبنانيين بعدم تحولهم الى أدوات في ايد دول إقليمية ذات أطماع توسعية. وما استذكار ويلات تلك الحرب الا لهدف الاتعاظ منها بهدف عدم تكرارها.

وفي الخلاصة، ومن شبه المؤكد فمن دون تحرر اللبنانيين من الاسر الذي هم فيه لا يمكننا الإحاطة بواقع الأمور اليوم للذهاب معًا في عملية بناء المستقبل. ففي حين سبقنا العالم بأشواط في كافة الميادين وعلى مجمل الصعد وبات العالم المتقدم اليوم في عصر استكشاف الفضاء والبحث في طرق استيطان كوكب المريخ، ما زال بعض اللبنانيين يجعلون من التاريخ مادة جامدة للاستفادة منها في تبرير فشل خياراتهم التي أوصلت بعضها لبنان الى الانهيار الحاصل اليوم والتي تعيق بعضها الاخر بناء لبنان الغد. وبناءً على كل ما تقدم، يبدو، والى حد اليوم، ان حزب الكتائب وقيادييه من بين القليلين، الذين يملكون جرأة استذكار احداث الماضي بطريقة علمية من دون أي استغلال سياسي. ونأمل في الختام سير الجميع في الطريق الذي يسلكه حزب الكتائب.

المصدر: Kataeb.org

الكاتب: د. مارك ابو عبدالله