الثقة ودَور النوّاب

  • مقالات
الثقة ودَور النوّاب

أسئلة كثيرة تُطْرَح في هذا الخصوص، أهمّها:

ـ هل مهلة الثلاثين يوماً المُحدّدة لنَيْل الثقة، مهلة «إسقاط» أم مهلة «حَثّ»؟.

ـ متى تبدأ هذه المهلة، ومتى تنتهي؟.

ـ وهل يحق لبعض الوزراء التحفّظ حول البيان الوزاري؟.

ـ وهل يحق للسادة النواب التغَيّب عن جلسة الثقة؟.

بالنسبة إلى السؤال الأول، يعتبر البعض أنّ مهلة الثلاثين يوماً المنصوص عنها في المادة /64/ من الدستور (الفقرة الثانية) مهلة «إسقاط». وهو يبنى رأيه هذا على عبارة «على الحكومة...» الواردة في المادة /64/ المذكورة. إلّا أنّ هذا الرأي لا يَصمُد، في نظرنا، أمام تحليل متأنٍّ للمادة /64/ (الفقرة الثانية). ذلك أنه ينبغي عند تفسير أي مادة من مواد الدستور عدم التوَقّف عند المادة المُراد تفسيرها حصراً، من دون ربطها ببقية المواد. فالدستور بنيان مترابط، منطقي ومتجانس، ومواده تُكمِّل بعضها البعض. ويجب أن تُعطى معنى متوافِقاً لا مُتناقِضاً. وما يجعلنا نُصِرّ على أنّ مهلة الثلاثين يوماً هي مهلة «حَثّ» وليس مهلة «إسقاط»، هي أنّ الحالات التي تعتبر الحكومة فيها مستقيلة، محددة حصرياً في المادة /69/ من الدستور. وهذه المادة هي مادة «مُقْفَلة» بمعنى أنه لا يمكن أن تُضاف إليها حالات أخرى غير واردة فيها أو غير منصوص عنها صراحة في مادة أخرى من الدستور.

مما يُفيد، أنّ مهلة الثلاثين يوماً المنصوص عليها في المادة /64/ (الفقرة /2/) من الدستور هي مهلة «حثّ» وليست مهلة «إسقاط». ولو شاء المُشرِّع خلاف ذلك، لنصّ على ذلك صراحةً في المادة /69/ من الدستور، وقَطَعَ الشكّ باليَقين.

أمّا بالنسبة إلى السؤال الثاني، حول تحديد بدء مهلة الثلاثين يوماً، وتاريخ انتهائها.

فمن الثابت أنّ مهلة الثلاثين يوماً تبدأ من تاريخ صدور مرسوم التشكيل، وتنتهي مع إنجاز الحكومة بيانها الوزاري وإقراره وإحالته إلى مجلس النوّاب. وبالتالي، لا تدخل مهلة مناقشة البيان الوزاري أمام مجلس النواب (تمهيداً لمَنْح الثقة) هذه المهلة على الإطلاق.

وبالتالي، يجب على الحكومة الحالية والتي تَشَكّلَت في 21/1/2020، أن تُنْجز بيانها الوزاري، وأن تُحيله إلى مجلس النواب في تاريخ أقصاه 21/2/2020.

وبالنسبة إلى السؤال الثالث، عمّا إذا كان يحقّ لبعض الوزراء التحفّظ على بعض ما يتضمّنه البيان الوزاري... كذا...

من الثابت أنّ هذا الموقف غير مألوف وغير مقبول في النظام البرلماني، لأنّ مبدأ التضامن الوزاري من الأُسُس الرئيسة التي يقوم عليها هذا النظام (المادة /66/ من الدستور).

لكنّ الواقع والتجربة ذهبا خلاف هذا الاتجاه.

عندما تألّفت حكومة الرئيس تمام سلام (في 15/2/2014) بعد انقضاء نحو أحد عشر شهراً على استقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي (في 23/3/2013) تألّفت لجنة إعداد البيان الوزاري، وبدأت اجتماعاتها، وظهر إلى العَلن مدى عُمق الانقسام بين مكوّناتها. حتى وصل الأمر إلى عرض موضوع البيان الوزاري على مجلس الوزراء. وبالفِعل إجتمع مجلس الوزراء في جلستين (14 و15 آذار) إستمرّت كل واحدة منهما ساعات عدة، حتى توصّل إلى إقرار البيان الوزاري، بعدما سجّل حزب الكتائب (الذي كان مُمثّلاً في الحكومة بـ3 وزراء من أصل 24 وزيراً) تَحفّظه على البيان الوزاري، وأصدر بياناً رسميّاً أعلن مِن خلاله أنه «في حِلٍّ من مفهوم التضامن الوزاري». 

أما لجهة السؤال الأخير عن دور النواب في جلسة الثقة:

من الثابت أنّ المادة /27/ من الدستور نصّت على أنّ عضو مجلس النواب يُمثِّل الأُمّة جَمْعاء، ولا يجوز أن تُرْبَط وكالته بقيد أو شرط من قبل مُنْتَخبيه.

ممّا يُفيد، أنه يقتضي على كل عضو في مجلس النواب، أن يُنفِّذ المهمات التي أوكلتها الأمّة إليه، وأن يَحْضُر جلسة مناقشة البيان الوزاري ويُشارِك فيها، بِغَضّ النظر عن منحه الثقة أم حجبها.

فالوكالة المُنظّمة له، مُنظّمة لِكَيْ يُشارك في مهمات التشريع والرقابة ومَنْح الثقة للحكومة أم حجبها. ولا يجوز له أن يتلكّأ أو يمتنع عن الحضور، علماً أنّ مقدّمة الدستور نَصّت في الفقرة (ج) أنّ لبنان جمهورية ديموقراطية برلمانية.

وبالتالي، من غير المألوف وغير المقبول في الأنظمة البرلمانية، أن يمتنع أي نائب عن ممارسة دوره، ووكالته عن الأُمّة. وإلّا تكون وكالته قد سقطت لعِلّة تَخَلُّف الموكل عن ممارسة واجباته الدستورية والبديهية حُكْماً 

وفي الخلاصة، على الحكومة واجب إنجاز بيانها الوزاري اليوم قبل الغد.

وعلى مجلس النواب واجب مَنْح الثقة أم حجبها.

وعلى السادة النواب حضور جلسة الثقة، وعدم التذرُّع بأيّ عامل كان.

لا نُبالِغ إن قُلْنا إننا في وضع استثنائي ودقيق، فرِهانُنا يبقى على الأمل، شرط أن يكون «الأمل» ركيزته «العمل»، مُردّدين مع «شارل بودلير» (الشاعر والناقد الفنّي الفرنسي 1821-1867) قوله (مَنْ يبني آماله على الأوهام، يجدها تتحقق في الأحلام).

المصدر: الجمهورية

الكاتب: سعيد مالك