الحلم الأوروبي أضحى كابوس الهاربين من لبنان

الحلم الأوروبي أضحى كابوس الهاربين من لبنان

منتصف ليل الأحد، السادس من أيلول تجمع الركاب على شاطئ المنية، وصلوا مسرعين لحجز مكان في القارب السياحي. تفاجأ هؤلاء بالعدد الكبير من الركاب، فهي أضعاف ما اعتقدوه، وذلك بديهي بمنطق التجارة لأن كل راكب جديد يشكل ربحاً إضافياً للمهرب الذي يتقاضى على الفرد بين خمسة وثمانية ملايين ليرة لبنانية.

 استخدم المهرب حنكته ونيات باطنية مختزنة، وطلب من الركاب التخلي مؤقتاً عن أمتعتهم والحقائب والطعام، ووعدهم بأنها ستلحق بهم بعد فترة قليلة إلى البحر لتخفيف الحمل.

بدأت الرحلة من أمام شاطئ مدينة المنية، وقاد السفينة الشاب هشام صوفان ابن بلدة ببنين، واستعان ببوصلة زوده بها المهرب الذي ينتمي إلى البلدة نفسها، ويشتبه بوجود صلة قرابة بينهما. ويروي الناجي نظير محمد لـ"اندبندنت عربية" ما حصل، فقد ضل قائد السفينة المسار، وبعد 18 ساعة نضبت مادة المازوت، وتوقف محرك القارب عن العمل. ويشير إلى أنهم كانوا غير قادرين على تحديد الجهات، بسبب عدم الخبرة، كما أن البوصلة كانت بحوزة الشاب هشام (الذي قاد القارب).

وبطبيعة الحال فقد انقطع اتصال الركاب عن العالم، وشكل ذلك فرصة للتعارف بين ركابها، فقد حملت على متنها نحو 49 راكباً من الجنسيات اللبنانية والسورية والبنغالية والهندية، بالإضافة إلى راكب يمني. أحاط الماء بهم من كل الجوانب، وبدأ الخوف والقلق يتسلل إلى قلوبهم. بدأ الأطفال بالبكاء، فليس لديهم طاقة على الجوع والعطش. وأمام هذا الواقع، تحول ماء البحر المالح إلى غذاء وحيد، أدى ذلك إلى غثيان وإسهال لدى الطفلين اللذين ما لبسا أن فارقا الحياة.

يقول الأب نظير "بعد مرور ثلاثة أيام تعرض الطفلان للجفاف، وما لبسا أن فارقا الحياة". ويضيف "توفي بداية نهار الأربعاء سفيان محمد" (ابن خاله)، وفي النهار التالي، أي الخميس، توفي صغيره محمد.

نداءات لا تلقى صدى

استمر الركاب من دون طعام وشراب لمدة ثمانية أيام تباعاً، وبدأ اليأس يتسلل إلى نفوسهم، ولم يعُد من أمل للبقاء سوى السباحة نحو شاطئ النجاة. كان أول المغامرين بحياتهم محمد خلدون محمد (27 عاماً)، تبعه إلى الماء شاب سوري الجنسية يدعى محمد عساف، الذي قفز نهار الجمعة، بعدها قفز خمسة أشخاص دفعة واحدة نهار السبت من بينهم ابن باب الرمل بطرابلس محمد الحصني، ورفيقاه عبد اللطيف الحياني ومصطفى ضناوي، بالإضافة إلى هشام صوفان، والشاب شادي رمضان.

حاول البقية الصمود إلى أجل مسمى، لعل قافلة تأتي لتنتشلهم، أو سفينة عابرة تستجيب لنداءاتهم. مر العديد من سفن الشحن الكبرى، كلها تجاهلت نداء هؤلاء. يجد نظير لهم مبرراً "ربما ظنوا أننا قراصنة"، وطالبوا باخرة تشيلية بالإبلاغ عنهم ونجدتهم.

ويوضح أن الركاب استخدموا الأضواء للفت النظر، إلا أنهم لم يلقوا استجابة. لم تأتِ خشبة الخلاص بعد، لذلك قفز عند الثالثة من عصر الأحد، ثلاثة شبان هندي وبنغالي والطرابلسي إبراهيم لاشين (23 عاماً)، الذي لعب دور المنقذ؛ أي بعد مرور ثمانية أيام. ويؤكد إبراهيم لـ"اندبندنت عربية" أنه سبح لساعات طويلة في الماء حتى خارت قُواه وقدراته. ودفعته غريزة البقاء للإصرار على إنقاذ رفاقه، والاستمرار في السباحة بحثاً عن باخرة أو خفر السواحل.

عثرت عليه قوات اليونيفيل في المياه الإقليمية، ويروي أنها قدمت له الطعام والشراب، وما إن تمكن من الحديث، حتى دعاهم لإنقاذ رفاقه التائهين في البحر. من جهته، يوضح نظير أنه مساء الأحد، مرت من فوقهم طائرة قامت بتصويرهم وأخذ إحداثيات، وإستخدم الركاب المصابيح الكهربائية للفت نظرهم. وفي اليوم التالي جاءت بارجة تابعة لليونيفيل، أنقذتهم وتوجهت بهم إلى بيروت.

الناجون في انتظار إنصافهم

ما إن وصل الركاب إلى مرفأ بيروت، حتى تم نقلهم إلى الحجر الصحي وأجري لهم فحص كورونا. وينتقد نظير محمد معاملة السلطات اللبنانية لهم، فأثناء إقامتهم في فندق الحجر، قام الناجون بالإنفاق على أنفسهم طوال الفترة السابقة.

وبعد هذه التجربة اتضح للركاب أنهم أمام عملية اتجار بالبشر، ادعى هؤلاء على التاجر المفترض كما أبلغوا شعبة المعلومات بتفاصيل الرحلة من ألفها إلى يائها. تتكتم الشعبة على تحقيقاتها، وقد اعتقلت (ب. ر. ق) الذي لعب دور الوسيط بين الركاب والمهرب، الذي لا يزال متوارياً عن الأنظار. يأمل الأهالي أن يأخذ القانون مجراه وينصفهم بعد أن تعرضوا لعملية استغلال، ووقفها مستقبلاً.

توجهت الاتهامات إلى (أ. ص) من بلدة ببنين على أنه المهرب المفترض، وقد ظهر للعيان لآخر مرة قبل يومين من افتضاح القصة للعلن. وأسهم فقدان ابن شقيقه في إثارة جو من الاضطراب في البلدة الواقعة على ساحل عكار، حيث ظن أهلها بوجود مجموعة من أبناء البلدة تائهة. وقد ساهم نجاح بعض الرحلات في دفع مزيد من الأهالي لترك منازلهم وبيع ممتلكاتهم لتأمين نفقات الهرب إلى قبرص، تمهيداً للانتقال نحو أوروبا. ويقول نظير محمد "تعرفنا إلى المهرب بالبحر في منطقة الميناء"، ويتابع "500 عائلة ذهبت إلى قبرص، وكان الوضع جيداً، إلا أن قدرنا كان مختلفاً". فقد نجحت عشرات العائلات من الهروب والوصول إلى قبرص وإيطاليا، إلا أن الجزيرة الجارة بدأت بتأمين بواخر سياحية لإعادة الكثير منهم إلى ديارهم، بعد أن تحولت الرحلات التي تنطلق من مدينة الميناء في شمال لبنان إلى عملية منتظمة، حتى وصل الأمر بهؤلاء في أن يشاركوا معاً في شراء "فلوكة قديمة"، وينطلقوا نحو الجزر السياحية للسباحة والاستجمام، ومن ثم استغلال عتمة الليل للهروب مع أسرهم.

قائمة المفقودين

لم يكتمل الحلم الأوروبي مع أبناء مدينة طرابلس الهاربين من الفقر والعوز. وما هي إلا أيام قليلة حتى عادوا إلى ديارها، حاملين ذكريات مثقلة بعذاب السفر، الجوع والعطش، ورائحة الموت. ومع انتشال جثث محمد الحصني ومحمد عساف والطفلين سفيان ومحمد، يؤمل العثور على المفقودين الخمسة.

وعلى الرغم من صعوبة حال الأهل الذين ودعوا أبناءهم، فإن جمرة تشتعل جذوتها في قلوبهم. ويؤكد خلدون محمد أنه لا يعلم شيئاً عن مصير ابنه، ويظن أن جثته متحللة وموجودة في مستشفى حلبا الحكومي، إلا أنه لا يمكن الجزم بسبب عدم إجراء فحص الحمض النووي.

جرائم الاتجار بالبشر

تثير عملية تهريب الأشخاص علامات استفهام حول الجوانب القانونية، وموقف القانون الدولي منها. وتلفت المحامية المتخصصة بقضايا حقوق الإنسان عتيبة المرعبي في حديث لـ"اندبندنت عربية" إلى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة تبنت في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2000 "اتفاقية مكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية" (العابرة للحدود). وبحسب المادة 3 من بروتوكول منع ومكافحة التهريب، فقد عرفت "تهريب المهاجرين" بأنه تدبير دخول غير مشروع لشخص ما إلى دولة أخرى ليس من رعاياها أو المقيمين الدائمين فيها، وذلك من أجل الحصول على منفعة مالية بصورة مباشرة أو غير مباشرة. كما عرفت "الدخول غير المشروع" بأنه عبور الحدود من دون التقيد بالشروط اللازمة للدخول التي تضعها الدولة المستقبلة.

وتوضح المرعبي إلى أن لبنان صادق على الاتفاقية وبروتوكولاتها في عام 2005، قبل أن يصدر في 24 أغسطس (آب) 2011 القانون رقم 164/2011، المتعلق "بمعاقبة جريمة الاتجار بالأشخاص". وقد أضيف هذا القانون إلى قانون العقوبات. واعتبرت جريمة الاتجار بالأشخاص جناية تتراوح عقوبتها بين 5 أعوام و15 عاماً بحسب الجُرم المرتكب.

ثغرات في القانون

يفتح تهريب البشر عبر الحدود نحو استغلال هؤلاء الضحايا وبأشكال شتى، من إرغام على الاشتراك في أفعال يعاقب عليها القانون، مثل الدعارة أو استغلال دعارة الغير، والاستغلال الجنسي، والتسول، والاسترقاق، أو الممارسات الشبيهة بالرق، والعمل القسري أو الإلزامي، وتجنيد الأطفال القسري أو الإلزامي لاستخدامهم في النزاعات المسلحة، والتورط القسري في الأعمال الإرهابية، ونزع أعضاء أو أنسجة من جسم المجني عليه.

وتتحدث المحامية المرعبي عن ثغرات في القانون، لناحية معاملة ضحية الاتجار بالبشر كمشتبه بها لحين ثبوت العكس، صعوبة وصول الضحية للعدالة بسبب ترحيلها في غالب الأحيان، وعدم وجود إحصاء رسمي عن نسبة جرائم الاتجار بالأشخاص، كما أنه لم يلحظ آلية واضحة لحماية الشهود أو إنشاء دور حماية، كما تضيف أنه لم يتم تفعيل القانون لجهة إنشاء حساب خاص من المبالغ المصادرة المتأتية من جرائم الاتجار بالأشخاص بما يساعد ضحايا هذه الجرائم، وعدم حضور المحامي في مراحل التحقيق الأولى إلى جانب الضحية من أجل توفير المساعدة القانونية للضحايا.

وأمام الصورة المستقبلية القاتمة يبدو أن اليأس يشكل دافعاً قوياً للتنازل عن المدخرات لقاء مقعد في قارب متهالك، يقوده صوب بلاد أخرى ليست بأرض النعيم، ولكنها تحتضن بذور التغيير وتضمن أبسط حقوق الإنسان.

المصدر: independent arabia

الكاتب: بشير مصطفى