برودة تشرين ولهيب آب: انتفاضة المشانق واحتلال الوزارات..

  • محليات
برودة تشرين ولهيب آب: انتفاضة المشانق واحتلال الوزارات..

لم تعد المسألة بالنسبة اللبنانيين الذين انتفضوا يوم السبت 8 آب في وسط بيروت محاسبة فاسد من هنا أو ملاحقة لهدر المال العام من هناك. ولم تعد تقتصر على رحيل السلطة برموزها كلها، كما كانت تصدح الحناجر خلال انتفاضة 17 تشرين. باتت المطالب اليوم هي "محاكمة" المسؤولين شعبياً. الاستقالة ورحيل السلطة لم يعدا يشفيان غليل الذين انتفضوا في 8 آب. بل يجب جرّ من عمل على قتلهم بالمباشر إلى قوس المحكمة الشعبية، كما صدحوا.

ولعل مشهد تعليق المشانق الذين وضع في وسط ساحة الشهداء، يعبر عن أن المعركة باتت مفتوحة. ولم يعد هناك من خوف يردعهم. ولم تعد اعتداءات مناصري حركة أمل وحزب الله، تجعلهم يحجمون، خصوصاً أن صور رئيس المجلس نبيه بري وأمين عام حزب الله حسن نصرالله، وضعت إلى جانب باقي صور المسؤولين معلقة على حبال المشانق في وسط الساحة.

بات المتظاهرون في مكان يصعب عليهم التراجع للخلف كما حصل في 17 تشرين. فهم يتهمون السلطة كلها بأنها شاركت في المقتلة التي حصلت في انفجار مرفأ بيروت. باتت معركتهم معركة موت أو حياة. والمواجهات التي حصلت اليوم في محيط المجلس النيابي، واستخدام قوات مكافحة الشغب لآلاف القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي والحي حتى، لم تجعل آلاف المتظاهرين يتركون ساحة الشهداء، بل استمروا بالتوافد من كل المناطق حتى ساعات اليل الأولى.

حضروا من كل المناطق. نساء ورجال وأطفال وعائلات وشبان وصبايا، مجهزين بكل وسائل المواجهة الحتمية مع القوى الأمنية التي تحرس المجلس النيابي، الذي يصرون على اقتحامه. كانوا مدفوعين بالغضب والفاجعة على مقتلة المرفأ. وأشاروا بالإصبع أن السلطة ورموزها باتت تلجأ إلى قتلهم المتعمد.

لم يكترثوا لما بدر عن رئيس الحكومة حسان دياب بطرح موضوع إجراء انتخابات نيابية مبكرة يوم الإثنين المقبل، على مجلس الوزراء، كحل للخروج من الأزمة. هذا المطلب "التشريني"، الذي كان على رأس مطالب الثوار، بات خلفهم اليوم. هم لن يقبلوا بأقل من محاكمة شعبية لكل رموز السلطة. وهذا قد يفتح الباب على مواجهات دامية في الأيام المقبلة، أكثر شراسة من مواجهات اليوم، التي راح ضحيتها عشرات الجرحى، بعضهم أصيب في رأسه، ونقلوا إلى المستشفيات، وسقط عنصر لقوى الأمن الداخلي برصاص قيل أنه بالخطأ من قبل حرس المجلس النيابي.

المواجهة اليوم تختلف عن مواجهات تشرين الدامية. هم يعتقدون أنهم لم يعد لديهم ما يخسروه. فقدوا الأمل بالتغيير السلمي بعيد انتفاضة تشرين، وحجزت المصارف على أموالهم، ثم ارتفع سعر صرف الدولار وفقدوا رواتبهم، وأتت جائحة كورونا وخسر عشرات الآلاف وظائفهم، ومن بقي منهم في العمل بات راتبه لا يساوي خمسين دولاراً. وأتى تفجير المرفأ وحصد أكثر من 158 قتيلاً وعشرات المفقودين في عداد الأموات، ودمر نصف مدينتهم، وتوالت فضائح الفساد والإهمال المديدة حول القنبلة النصف نووية التي انفجرت بينهم.

المواجهة بدأت تختلف جذرياً عن السابق وتوضحت في اقتحام المقرات الرسمية. فهي تشكل بالنسبة لهم بؤر فساد وهدر، وليست مؤسسات دولة تحكمها القوانين. بدأت باقتحام وزارة الخارجية، التي أعلنت مقراً للثورة، وذلك بعد أيام على استقالة وزير الخارجية، معلناً فقدان أمله بالحكومة. وتلاها اقتحام وزارة الاقتصاد، المسؤولة عن عدم ملاحقة المتلاعبين بأسعار السلع التي ارتفعت بشكل جنوني، ومسؤولة عن دعم سلة غذائية انتهت إلى دعم للتجار والمستوردين، الذين راحوا بجشعهم يحتكرون كل شيء في الأسواق. واقتحموا وزارة البيئة المسؤولة عن قتلهم بجبال النفايات المكدسة في الشوارع. واقتحموا جمعية المصارف التي باتت تشكل رمز سرقة أموالهم المودعة في المصارف. واقتحموا وزارة الطاقة المسؤولة عن العتمة الشاملة التي تسيطر على لبنان منذ قرابة الشهر، وربما كانوا سيقتحمون شركة كهرباء لبنان، لكن انفجار المرفأ حولها ركاماً.

تحول التشييع الشعبي للشهداء الذين سقطوا في انفجار مرفأ بيروت إلى مواجهة شاملة. وترافق مع استقالة نواب حزب الكتائب اللبنانية الثلاثة من المجلس النيابي بعيد تشييع أمين عام حزب الكتائب نزار نجاريان، الذي استشهد في انفجار مرفأ بيروت، واستقالة النائبة بولا يعقوبيان، وربما تشهد الأيام المقبلة استقالات أخرى. وهذا يعني أن التغيير من خلال المؤسسات الدستورية بات خلفهم.

بعد ساعات عدة، انتهت المواجهات وتمكن الجيش اللبناني من السيطرة على الشارع. لكن مواجهة اليوم تدل على أن المعركة باتت مفتوحة وبات العنف سبيلاً لتحصيل الحقوق. ورغم ذلك ما زال البعض يعتقد أن قوى سياسية معينة تستغل الشارع في معركة شد الحبال مع باقي قوى السلطة.

سلاح رفع العلم والتلويح به، كما حصل خلال انتفاضة 17 تشرين، بات من الماضي. ورحيل الحكومة والرؤساء الثلاثة وإعلان انتخابات مبكرة، قد يشكل حلاً. وهذا مستبعد في ظل التمترس بالسلطة على حساب إنقاذ لبنان.

 

المصدر: المدن