بيار الجميّل مؤَسِّسُ خَزّانِ الكرامة

بيار الجميّل مؤَسِّسُ خَزّانِ الكرامة

إنّ بعضَ مَن تَعاطَوا الشّأنَ العامَ، عندَنا، ويتعاطَون، من أصحابِ الألقابِ، ويدّعي أنّه مُنهَمِكٌ بإيجادِ الحلولِ النّاجعةِ لكتلةِ الأزماتِ التي لا يُرى منها سوى انسدادِ الأفق، لم يهتمّ بِمقاربةِ هذه الأزمات، بقدرِ ما كان يسعى، كما الوصوليّون والإلغائيّون، الى تضخيمِ أخطاءِ منافسيه، وشوائبِ خصومِه، من دونِ طَرحِ ما لديهِ من تصوّراتٍ ورُؤىً، هذا إنْ وُجِدَت، أصلاً.

هذه هي التّركيبةُ التي لم يستسلمْ لها بيار الجميّل، الشّيخُ الرئيس، ولم يشاركْ في اقتناصِ جوائزِها، والمُحاصَصةِ في مشاريعِها المُلتويةِ، وسمسراتِها المَشبوهة. وبذلك، كان، دائماً، "واقِفاً"، أمامَ جماهيرِه، زعيماً نزيهاً، بعيداً عن الشَّعبويّةِ العابِرة، فهو، وحدَه، لم يعتبرِ الحشودَ إحتياطِيّي تَصفيق، لأنّ شيئاً من الحُلولِ العجيبِ كان يُعَنوِنُ الإرتباطَ المُذهِلَ بهذا العملاق.

لقد امتدَّ إسمُ الشّيخ بيار على مساحةٍ زمنيّةٍ، من عمر لبنان، من دونِ إخفاقات، لأنه نموذجُ ثقافةِ الإنتماءِ الى الوطن. هذا الوطنُ الذي تماهى معه بيار الجميّل، لأنه تذكرةٌ للكرامةِ والحريّة، في حين نَحَرَه الأقربون، قبلَ الأَغراب، بالتبعيّةِ والإرتهانِ، ما وفَّرَ أرضاً قابلةً لإعادةِ النّظرِ بِعيدِ الجَلاء.فالشيخ بيار لم يُرَوِّج لعقيدةٍ مستوردة، ولم يبثَّ أيديولوجيةَ الولاءِ لفكرٍ هجينٍ، كوُكَلاءِ الخارجِ المُتنكِّرين للهويةِ والأرض. لقد كان نافذةً لتمريرِ عزّةِ النّفسِ الوطنيّة، وشهادةً للسيادةِ في سوقِ السّكاكينِ المأجورة. هو لم يصمُتْ، في ضجيجِ الكِفرِ بالوطن، وواجَهَ مشروعَ سَحقِ كلِّ واحدٍ منّا، تحتَ عنوانِ "لاجِئ"، ورفضَ أن تعبرَنا أنيابُ الأَغلالِ والأشواك، وعلَّمَنا أن نصنعَ من جراحِنا دِرعاً يصفعُ الإنهزامَ، ويحصِّنُ الوطن.

الشيخ بيار انبرى، كما الأقلّون، لتقديمِ المَشورةِ الى الجِوار، بِتِبَنّي النموذجِ اللبنانيِّ الفريد كَحَلٍّ أكيدٍ لنكباتِهم المتنقِّلة. ذلك، لأنه آمنَ بالديمقراطيةِ الحاضنةِ للحقوقِ والحريّات، في مقابلِ الأنظمةِ البائدةِ القمعيّةِ التوتاليتاريّة التي تفتكُ بشعوبِها، وتُشلِّعُ بلدانَها، وتقدّمُ سَيلاً من الأضاحي فوقَ مسرحِ استمرارِها في السلطة. كما قدّمَ لهؤلاءِ، درساً في الإخلاصِ لوطنٍ حرٍّ، سيّدٍ، ذي أَنَفةٍ طبيعيةٍ لرفضِ البربريةِ والرّضوخِ لظروفِ الظّلم، وذلك، بكتابةِ فصلِ الكرامةِ والإستقلالِ بالحِبرِ الأحمر.

الشيخ بيار مناقبيٌّ مناضِل، شكّلَ رأسَ حربةٍ دفاعاً عن حقِّ الوطن، ودفعَ ضريبةَ الولاءِ شهداءَ يُدانونَ، بما بَذَلوا، نُبلَ القدّيسين، وبينَهم جزءٌ من روحِه. فالولاءُ هو الثّابتُ الأساسُ الذي يربطُالشيخ بيار بلبنان، ومحورُهُ لا يتحرّكُ، مهما تقلَّبَت الظّروف، من هنا، كان هذا الشيخُ الأبيُّ، حيثُ تتواجدُ الكرامةُ بكثافة، الخميرةَ لعجينةِ الأجيال، ولمّا يَزَل.

أمامَ مشهدِ " الوطَنجيّينَ" الذين أَمعنوا في تشويهِ صورةِ الوطنِ، ولم يكونوا، في الواقعِ، سوى نَكبةِ الوطنِ الحقيقية، كان الشيخ بيار، عن حَقّ، حارسَ الدّستور، وتولّى الحرصَ على استمراريةِ كيانِ الدولة، وكانت له الكلمةُ الوازنةُ في المفاصلِ الدقيقةِ التي كان مصيرُ الوطنِ، معها، على المِحَكّ. لذلك، استظلَّهُ الناس، قائداً موثوقاً، ورمزاً أميناً، ومُرتَكَزاً مَتيناً للوجودِ الرّاسِخِ في هذه الأرضِ المقدَّسة، ولو على كلِّ شِبرٍ، منها، شهيد.

قيلَ: بكى لبنان، يومَ رحلَ الشيخ بيار. نعم، ومن واجبِهِ أن يبكي، فالرَّجلُ صنعَ عنفوانيّينَ، كما هو، بتَثبيتِ التّلاحُمِ بينهم وبين قِيَمِ المواطنة، وحينَ استُشهِدَ كُثُرٌ منهم لافتداءِ هذه القِيَم، أصبحَ لِنَكهةِ الوطنِ طَعْمٌ.

يا شيخَنا، الرِّجالُ العُظامُ، كَأنتَ، ليسوا بحاجةٍ لِغَيرِ إسمِهم. 

بقلم: الدكتور جورج شبلي

المصدر: Kataeb.org

الكاتب: جورج شبلي