تعديل أصول المحاكمات...التسجيل صوتا وصورة من يضمن عدم التسريب ومن يأتي بالآلات؟

تعديل أصول المحاكمات...التسجيل صوتا وصورة من يضمن عدم التسريب ومن يأتي بالآلات؟

"أمّ الشرائع" لقب أطلقه الرومان على بيروت بعد بناء أكبر معهد للقانون بالإمبراطورية فيها وقتذاك... ولكن يبدو انها في السنوات الاخيرة بدأت تفقد هذه الميزة نتيجة لتشريع قوانين فيها الكثير من الشوائب والثغرات... وكان آخرها القانون الرقم 191 تاريخ 16/10/2020 الرامي الى تعزيز الضمانات الأساسية وتعزيز حقوق الدفاع، الذي وقّعه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في 19 الجاري، بعد اقراره في مجلس النواب بتاريخ 30/10/2020 تعديلا للمادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية.

على الرغم من 30 سنة من الحروب والاختلافات بقي القانون اللبناني الذي انبثق من عدة قوانين ابرزها القانون الفرنسي، حيث لو طبق هذا القانون بشكل سليم لكان من افضل القوانين في العالم.

ولم يتوقف الامر عند عدم التطبيق، بل ما زاد الطين بلّة هو اقرار القوانين عشوائيا واحاطتها بالضجة الاعلامية وكأنها انجاز!

فقد استبشر الناس خيرا بأن زمن تركيب الملفات والطرابيش قد ولى، مع القانون الرقم 191، ولكن بعدما وقعه رئيس الجمهورية وبات نافذا من خلال نشره في الجريدة الرسمية، واطلع كبار القانونيين والحقوقيين والقضاة على مضمونه وجودوا ان مقولة "أخبزوا بالافراح" تنطبق عليه.

القضاة يتحركون!
وبحسب معلومات لوكالة "أخبار اليوم" ان هناك غضبا عارما بين القضاة وهم يتحركون منذ يومين على اكثر من مستوى، واكثر من 100 قاض وقّعوا على الطعن بهذا القانون، كما ان وفدا منهم قام بزيارات شملت رئيس الجمهورية ورئيس مجلس القضاء الاعلى القاضي سهيل عبود... معتبرين ان هذا القانون شكل ضربة للقضاء والمزيد من تعثّر المحاكمات.

سلسلة ملاحظات
وفي موازاة ذلك، سجل احد القضاة المتقاعدين، سلسلة من الملاحظات على القانون الذي لم يأتي بجديد، متوقفا عند المواد التي هلل لها بعض من كان وراء صياغته بهذا الشكل، وشرح الآتي:
- الحق في تعيين محام، وهذه مادة موجودة اصلا في قانون اصول المحاكمات الجزائية في الفصل السابع منه تحت عنوان "المعونة القضائية"، حيث يحق لاي موقوف اذا لم يكن لديه محام او لا يملك الامكانات المادية لتوكيل اي محام يمكن ان يطلب من نقابة المحامين ان توكّل له محام، وهي لديها لائحة بالمحامين الراغبين في تولي مثل هذه المهام. (وهنا لم يأت القانون باي جديد).
- المعاينة الطبية، اي حين يتعرض اي موقوف خلال التحقيق معه للضرب، ولكن القانون الجديد لم يحدد الجهة التي تتخذ القرار بحصول المتهم على هذه المعاينة، حيث تحدث النص عن ان "للمتهم الحق في المعاينة الطبية" وليس على النيابة العامة ان تعين طبيبا لتحديد ما اذا كان هناك اعتداء جسدي، بمعنى ان النص غير ملزم، وترك للقاضي الخيار.
- الحق في معرفة الشبهات والادلة القائمة ضد المتهم او الموقوف، ايضا هذه المادة لا تحمل جديدا، اذ انه عند توقيف شخص في المخفر، يشرح له رتيب التحقيق ان الشخص الفلاني ادعى عليك، والنيابة العامة فتحت محضرا، وبالتالي التحقيق والاستجواب يدوران حول هذه الشبهات.
واعتبر المصدر ان في المواد اعلاه لا جديد الا في صياغة الجمل، حيث بغض النظر تحت اي مسى اتت فانها تبقى مرتبطة بوجد قاض يعرف كيف يتعاطى ويدير الملفات الموجودة امامه.

توجيه الاسئلة من قبل المحامي
الى ذلك، انتقد المصدر بشدة ما نص عليه القانون لجهة ان يقوم المحامي بتوجيه الاسئلة خلال التحقيق، بمعنى ان هذا المحامي اصبح يستعمل الدعوى العامة ولم يعد محركا لها. وقال: في كل دول العالم يحضر المحامي جسديا، لكنه لا يتدخل الا اذا حصل اعتداء على الحقوق الاساسية للموقوف او للمستجوب او للمتهم ( وهذه الحقوق الاساسية تحددها القوانين، ومن ابرزها الاستحصال على محام، الاتصال بذويه، المعاينة الطبية، الا يتعرض للضرب، الا يسجن افراديا، عدم ممارسة الضغوط ... وما سوى ذلك مما يندرج تحت عنوان حقوق الانسان). وبالتالي ليس للمحامي ان يتدخل لتغيير مسار التحقيق او القضية بشكل عام.
واذ شدد على ان قانون اصول المحاكمات الجزائية ينص على ان التحقيق الاولي و البدائي هو تحقيق سري، قال: القانون الجديد يخرق هذه السرية، معتبرا انه في ملفات مخدرات او خطف او هدر اموال الدولة او تبييض الاموال... حين يتدخل المحامي تنتفي كل سرية التحقيق، بمعنى ان النيابة العامة التي تمثل المجتمع لم تعد متقدمة على المشتبه او المحامي باي نقطة، موضحا ان الخطأ ليس في ان يحضر المحامي، بل ان يشارك في التحقيق.
واشار القاضي الى انه في الجمهورية الخامسة في فرنسا - معروف ان القوانين الفرنسية هي عرابة القوانين اللبنانية- كما في المانيا وسويسرا والولايات المتحدة، التحقيق الاولي يبقى سريا، وحضور المحامي يكون للحفاظ على الحقوق وليس للمشاركة في تحريك الدعوى العامة.
التسجيل صوتا وصورة
اما اكثر ما يثير الاستغراب، بحسب القاضي المتقاعد، فهو الحق في تسجيل اجراءات التحقيق بالصوت والصورة، سائلا: ما هي آلية تسجيل التحقيق، كيف ستتم، من يأتي بالمعدات اللازمة وزارة الداخلية او وزارة العدل، هل يحق للمحامي ان يسجل هذه الاجراءات ايضا، ما هي الآليات التي ستحول دون تسريبها او تناقلها عبر وسائل الاعلام او مواقع التواصل الاجتماعي... ومن الجهة التي ستحرص على ان تبقى هذه التسجيلات سرية؟...
واذ رأى ان النص هنا جاء مبهما، سأل القاضي: متى ستصدر المراسيم التطبيقية لهذه المادة؟ وقال: اي ان كل قانون كي يصبح ساري المفعول يجب ان يرافق مع سلسلة اجراءات التي لا يمكن اختراعها، بل يجب ان تصدر في مراسيم تنظم كيفية وآلية تطبيق هذا القانون.
واضاف: قانون "تعزيز الضمانات الأساسية وتعزيز حقوق الدفاع" نشر في الجريدة الرسمية واصبح تطبيقه واجبا. ويمكن القول لا بل الجزم ان كل التحقيقات الحاصلة منذ الخميس الفائت باكملها باطلة، لان القانون نص على التسجيل صوت وصورة تحت طائلة ابطال التحقيق، وهنا يحق لاي محام ان يطلب من قاضي التحقيق- كون التحقيق اولي واستنطاقي- ابطال التحقيقات والادلة والاثباتات وكل ما هو مدون على المحضر لانه لا يوجد تسجيل للصوت والصورة، وانطلاقا من النص عينه لا خيار امام قاضي التحقيق الا ابطالها. وبالتالي يمكن اطلاق سبيل اي موقوف مع التعهد بحضوره اي جلسة ... وهذا التعهد قد لا ينفذ.
المساواة بين القضاة وعناصر الضابطة العدلية
وفي السياق عينه استغرب القاضي المذكور المساواة بين قضاة النيابة العامة وعناصر الضابطة العدلية، اذ جاء في النص المتعلق بالخطأ في التحقيق ما حرفيته: "سواء اكان القائم بالتحقيق من قضاة النيابة العامة، او من عناصر الضابطة العدلية يتعرض لعقوبة الحبس لمدة تتراوح بين 3 اشهر الى سنة".
واشار الى ان الوقائع تصل الى كل النيابات العامة على الاراضي اللبنانية، بواسطة رتيب التحقيق عبر اتصال هاتفي، وهناك الكثير من الملفات "مركّبة"، فهل يجوز سجن القاضي. وقال: القاضي يتحمل المسؤولية وفقا للدستور وقانون القضاء العدلي وقانون اصول المحاكمات الجزائية، وترفع الدعوى بحقه امام التفتيش القضائي الذي اذا وجد جرما جزائيا يحيل الملف الى مجلس القضاء الذي يرفع عنه الحصانة، ويدّعي عليه امام مدعي عام التمييز، وبالتالي هناك اصول لمحاكمة القضاء، لا يمكن رفع الحصانة عن القاضي خلافا لهذه الاصول.

الادارة والعدل
وامام هذه الوقائع والملاحظات، سأل القاضي كيف صدر هذا القانون عن لجنة الادارة والعدل التي تتألف من 21 نائبا معظمهم من المحامين، وخلال الجلسات التي ناقشت هذا الاقتراح، حضر بشكل دائم القضاة نازك الخطيب، زياد مكنا، ماريز العم، وهانيا الحلوة ، الى جانب نقيب المحامين في بيروت ملحم خلف.
وتابع سائلا: من انتدب هؤلاء القضاة الاربعة، فاذا كان مجلس القضاء الاعلى، الم يكن بهدف الاطلاع على كيفية صياغة هذا القانون ووضعه في جو ما يحصل، هل فعلوا ذلك؟ هل لدى هؤلاء القضاة خبرة في التشريع، وسنّ القوانين، هل لديهم الخبرة الكافية في العدلية... وهل كان يفترض التعاون مع قضاة متقاعدين مضوا عقودا في العدلية ويعرفون ارتدادات التشريعات الخاطئة؟
واعتبر القاضي انه كان يفترض ان يكون وجود القضاة في لجنة الادارة والعدل من اجل الضرب على الطاولة حين يخطئ النواب؟!

اين "القضاء الاعلى"؟
وفي اطار التساؤلات التي طرحها القاضي: اين مجلس القضاء الاعلى، حيث يفترض في كل القوانين التي لها علاقة بالدعوى العامة والملاحقة، ان يكون له دوره، اليس الرئيس عبود من انزه القضاة والثورة تنادي به، الا يتألف المجلس من 10 قضاة امضى كل واحد منهم على الاقل 25 سنة في العدلية، هل دور هذا المجلس اجراء التشكيلات القضائية فقط؟!! ولماذا يغّيب حين يفترض ان يلعب دوره.
واذ خلص المصدر الى القول: المشكلة في النفوس وليست في النصوص، قائلا: الادعاء بمعرفة القانون لم تنفع لان القانون الذي اقر جاء "معاقا"، اطلق يد المحامي على حساب القاضي، وهذا الضرر بدأ يصيب المجتمع فمن يتحمله؟.
وختم ينطبق على التشريع المثل الشائع: l'habit ne fait pas le moine

المصدر: وكالة أخبار اليوم