حلف "ناتو شرق-أوسطي" ... هل يُبصر النور؟

حلف

في خضم حال الغليان والاضطرابات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والتي يصحّ وصفها بجمر تحت الرماد، نتيجة حجم القلاقل التي تتعاظم مع مرور كل يوم وساعة في وقت تتعذّر فيه السيناريوهات المطروحة للعودة إلى الإتفاق النووي الإيراني ومتاهات المدّ والجزر بين إيران ومن يقف خلفها من جهة، وبين الولايات المتحدة الأميركية والترويكا الأوروبية والمتمثلة بألمانيا وفرنسا وبريطانيا إلى جانب الإلحاح على إقحام إسرائيل ودول الخليج تحديدًا السعودية والإمارات من جهة أخرى، وانعدام أفق تقديم التنازلات من اي طرف للجلوس مجددًا إلى طاولة المفاوضات.

تبرز اليوم رؤية قد تمهّد ربما لثورة فكرية - إستراتيجية وكانت أولى إرهاصاتها قد تجلّت، في خلال إبرام إتفاقية ابراهام، قبل أشهر عدة بين كل من إسرائيل ودول عربية وخليجية عدة ويبدو أن العجلة لا زالت تدور في الفلك المؤَطَّر مسبقًا لتوسيع دائرة الدول التي تسير في سبيل التطبيع بالمنطقة وخارجها.

ما بات يلوح في الأفق أن هناك ترتيبًا أمنيًّا خاصًا بين إسرائيل ودول الخليج العربي يتجلّى بالمشروع الذي كشف عنه وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس في الأمس، موضحًا أن بلاده تدرس إبرام إتفاق دفاعي مع تلك الدول التي تشاركها المخاوف بشأن إيران. هذه التصريحات جاءت بعدما أن كشفت مصادر إعلامية إسرائيلية أن الترتيب الجديد سيكون على شاكلة حلف "الناتو" خاص بالشرق الأوسط.

اذ سرّبت وسائل إعلام عبرية، في الآونة الأخيرة، معلومات حول مفاوضات سريّة تجريها إسرائيل مع دول خليجية وعربية تهدف إلى تأسيس تحالف عسكري عربي-إسرائيلي لمواجهة تصاعد النشاط الإيراني والتوجه الواضح لتطوير ترسانة طهران النووية.

يأتي ذلك، في وقت كانت صحيفة جيروزاليم پوست، قد نقلت عن مسؤول إسرائيلي لم تذكر إسمه، أن إسرائيل والسعودية والإمارات والبحرين ناقشت إمكانية إطلاق تعاون عسكري موسّع للتصدي لما أسمته "أعداءً مشتركين". اذ كُشف الستار عن هذه التفاصيل بُعيد نشر مقال لرئيس المؤتمر اليهودي العالمي رون لاودر في صحيفة "ARAB NEWS" السعودية، حيث دعا في خلاله إلى تشكيل ما أطلق عليه "ناتو الشرق الأوسط" وتضمن المقال شرحًا لما أسفرت عنه حصيلة إتصالات لاودر بالدول العربية والتي أفضت إلى اعتبار إسرائيل الحليف الوحيد الموثوق به بغية مواجهة إيران والعكس صحيح.

يضاف إلى ذلك، ما ذكرته القناة الإسرائيلية i24 NEWS الأسبوع الماضي، أن إسرائيل تجري محادثات مع دول الخليج الثلاث بغية تشكيل تحالف دفاعي. ناهيك عن تأكيدات الحكومة الإسرائيلية ما جاء على لسان وزير دفاعها نيّة إقامة ترتيب أمني خاص مع الدول الخليجية التي تربطها علاقات مع إسرائيل.

إذًا ما بات مؤكّدًا أن هناك إتصالات ديبلوماسية مكثّفة تجري، على أعلى المستويات، بين إسرائيل ودول الخليج العربي ودول عربية أخرى لإقامة حلف إستراتيجي إقليمي لمواجهة إيران، ويأتي ذلك في ضوء التحديات والمخاطر التي تواجهها هذه المنطقة، فضلاً عن الخشية من تزايد حدة المخاطر في المستقبل.

إذ أثمرت الاتصالات التي أجريت، حتى حينه، عن إبرام بعض الاتفاقات في مجال التعاون الاستخباري مع بعض الدول، فضلاً عن إتصالات جارية بهدف تنويع وتعزيز مجالات التعاون. الأمر الذي دفع الأطراف المعنية للدخول في مفاوضات مستعجلة بالتزامن مع اقتراب موعد استئناف المفاوضات الأميركية-الإيرانية حول الإتفاق النووي، الأمر الذي يرفع منسوب القلق من المخاطر التي تتهدّد ليس دول الخليج ومنطقة الشرق الأوسط فحسب وإنما العالم بأسره.

وذلك ما يفسّر الاستعجال الحاصل في الإسراع باجراء المفاوضات، خصوصًا بعد إعلان إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب وادارة الرئيس الأميركي الحالي جو بايرن اعتزامهما خفض عديد القوات العسكرية في المنطقة  وسحبه تدريجيًّا، بعد تحويل مركزية القرار بالكامل لصالح إسرائيل مصحوبًا بدعم أميركي وأوروبي لوجستيًّا وعملانيًّا.

ما يدفع بالدول الخليجية والعربية التي تتبنّى نهج السنية المعتدلة إلى الحضن الإسرائيلي الذي بات يضمّ احدث المعدات المتطورة والتكنولوجيا الحديثة للدفاع عن أرضه واراضي حلفائه عبر نشر أجهزة طرد مركزية مثل القبّة الحديدية، التي من المفترض أن تجد طريقها ايضًا إلى الدول الأعضاء في هذا الحلف التي تشاركها المخاوف ذاتها وقطع الطريق أمام التمدّد التركي في المنطقة الذي يقتات على أطلال التطرف الاسلامي.

تحظى هذه العملية باهتمام كبير، خصوصًا بعد إعلان البنتاغون، قبيل انتهاء فترة رئاسة ترامب بأيام قليلة، إضافة إسرائيل إلى منطقة عمليات القيادة المركزية للقوات المسلحة الأميركية (سينتكوم) المسؤولة عن الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، ونقلها من منطقة عمليات القيادة الأوروبية للقوات الأميركية إلى منطقة عمليات القيادة المركزية، مع الإبقاء على التنسيق المكثف بين إسرائيل وحلفائها الأوروبيين.

في الختام، وحتى لحظة كتابة هذا المقال، لم يصدر أي تعليق عربي أو تصريح رسمي يؤكد أو ينفي ما تناقلته وسائل الإعلام الإسرائيلية في هذا الصدد.

ويبقى السؤال: ما حجم هذا التعاون وماهية تشكّله والأهداف التي يرمي إليها؟ من سيوفّر الكوادر البشرية لتعزيز صفوف هذا الحلف؟

ما مصير التوازن الجيوسياسي الذي تمثّله المملكة العربية السعودية تجاه إيران؟ هل ستقبل بالذوبان ضمن حلف ترأسه إسرائيل؟

وهل جاءت اتفاقية ابراهام ذات الأهداف المتعددة لتوفّر لإسرائيل امتيازات الإحتكار السياسي والعسكري ما سيدفع المنطقة نحو خلق توازن عسكري جديد؟ أم إلى إحداث توترات قد تخلط الترتيبات الحالية كلّها؟

أم سيعمد بايدن إلى إعادة إسرائيل إلى منطقة عمليات القيادة الأوروبية ما سيشكّل حجر عثرة أمام إنشاء "ناتو عربي شرق أوسطي"؟

المصدر: Kataeb.org

الكاتب: هادي جان بو شعيا