طوابير البنزين في الجنوب: لا استقرار قبل أسبوعين

  • إقتصاد
طوابير البنزين في الجنوب: لا استقرار قبل أسبوعين

وصل اللبنانيون إلى حدّ القبول بحال التقنين العام الذي يعيشونه: تقنين في الكهرباء والمياه، والراتب الوظيفي والصحة والتعليم والمحروقات والأمن، وحتى مكافحة الفساد بأضعف مستوياته التي تتّخذ شكل التضحية بصغار الفاسدين لحماية كبارهم. ومع ذلك، أبَت المنظومة الحاكمة إلاّ أن تدفع "دولة التقنين" إلى الإنهيار.
كهرباء وبنزين
أسلوب التقنين المرتبط بنظرة المنظومة الحاكمة كأداة للانتفاع، وبنظرتها للشعب كرعايا يُضبَط إيقاعها بواسطة الخدمات، أمَّنَ للمنظومة استقراراً طويل الأمد نسبياً. لكن أرضيّته الهشّة قابلة للانهيار، من دون بحث جدّي عن طرق إدارة الانهيار. وكان أن اصطدمَ اللبنانيون بأزمة المحروقات وركّزوا غضبهم عليها بوصفها الأكثر انعكاساً على حياتهم. فانقطاع الفيول أعتَمَ لبنان بأكمله، ولم تَسلَم العاصمة التي حظيَت لعقود بتوقيت كهربائي خاص.

وبالتوازي مع انقطاع الكهرباء، حظيَ الجنوب بانقطاع البنزين بفعل مبادرة نافذين محميين من الثنائي الشيعي. فهؤلاء احتكروا البنزين كما احتكروا المازوت قبله. ولم تشفع طوابير السيارات أمام المحطّات، في حلّ الأزمة. ولم تُحَلّ إلاّ بعد انكشاف أسماء متورّطين على مستوى قريب من مراكز القرار في حزب الله وحركة أمل. وبدأ الصوت الاعتراضي يصدح داخل منازل الحزبيين والحركيين، من دون جرأة الخروج الى الشارع. فهذا الفعل "مشبوهٌ" في البيئة الشيعية.
وعلى مدى أسبوع من ممارسة الذلّ وكتمان أصوات المعترضين، لم ينجح الثنائي في نفض التهمة عنه. لكنه نجح في إسكات جمهوره، والعمل سريعاً على لملمة الملف وتوجيه صفعة لمن انكشفت أسماؤهم.
وبالتأكيد، لم يغب عن بال الثنائي ضرورة استنكار الاحتكار والتأكيد على عدم تغطية المتورّطين، وصولاً إلى نزع صفة الانتماء التنظيمي عن بعضهم. وسارَعَ حزب الله إلى التنصّل من المحتكرين أكثر مما حاولت الحركة، ليس لبراءة الحزب، بل لأنه أكثر حرصاً على تلميع صورته وإيهام الناس بالتقيّة، فيما الحركة تعمل وفق مبدأ "على عينك يا تاجر"، وتمارس هذا المبدأ في تعاملها مع باقي الأطراف السياسية.
وفي السياق، الحزب والحركة مُحرجان حالياً، لأن ما شهده الجنوب لم تشهده باقي المناطق اللبنانية. والثنائي يتّهم خصومه بأنهم يعرقلون أعماله الإصلاحية، فيما التجربة أثبتت العكس. كما أن السكوت عن أزمة الكهرباء والمحروقات، أتت بعد إيعاز الثنائي لجمهوره بالخروج من الساحات وعدم المشاركة بتظاهرات 17 تشرين الأول 2019، تحت حجّة أنها تهدف للتضييق على المقاومة. وفي المقابل، لم يقدّم الثنائي أي حلّ اقتصادي - اجتماعي ونقدي لجمهوره، وتركه يواجه مصيره مع باقي اللبنانيين. وفجأة يكتشف الجمهور بأن من يزيد الضغط عليه، هم نافذون محميون من الثنائي... مما أثار حفيظة الجمهور، وإن لم يخرج إلى الشارع.
حزب الله لا يريد تقديم أي تنازل لناحية المشاركة في إيجاد الحلول. بل يلجأ إلى نفي علاقته بما يحصل في إدارات الدولة وشوارعها، نائياً بنفسه عن الحل، من دون النأي بالنفس عن الإمساك بمفاصل البلد سياسياً وأمنياً. والحزب يريد لحلفائه أن يجدوا حلولاً بوصفهم المتّهمين الرئيسيين بافتعال الأزمة. وهذا ما يُفهَم من خلال تصريحات نوابه ووزرائه، الذين ينفون علاقتهم بالمحتكرين في الجنوب، ما يترك الاحتمال مفتوحاً باتجاه حركة أمل، من دون الإفصاح عن ذلك.
وهذا أمر صحيح فعلياً، لكن الأصحّ هو تورّط أشخاص تابعين للحزب، ويحظون بحمايته. ومن ناحية أخرى، يوجّه الحزب المسؤولية نحو التيار العوني من خلال تحميل المسؤولية إلى وزارتيّ الطاقة والاقتصاد. كما يرمي الكثير من المسؤولية على مصرف لبنان، أي على حاكمه تحديداً، وبعضاً من المسؤولية على القوى الأمنية والقضاء، لجهة ملاحقة المتورطين ومحاكمتهم.
حلول جزئية
الفضيحة أوقفت عجلة الاحتكار وتخزين المحروقات. وعاد بعضُ التقنين الكهربائي الى سابق عهده. لكن ذلك لم يحلّ الأزمة. فما وقعنا به، لا عودة عنه. أمّا بعض البوادر "الإيجابية"  المتعلّقة بتأمين البنزين، فتحتاج الى نحو أسبوعين لتستقر. لأن توزيع البنزين على المحطات توقَّف مع حلول عطلة عيد الأضحى، وبالتالي استمرّت طوابير السيارات. ومن المرجّح استمرارها بعد استئناف التوزيع يوم الإثنين 3 آب، ليس لشحّ البنزين، بل لعدم ثقة المواطنين بانتهاء الأزمة. وهذا ما سيخلق طلباً إضافياً لن تستطيع المحطات تلبيته.
بعد نحو أسبوعين، قد يطمئن الجنوبيون إلى توفّر البنزين ويتوقّفون عن الطلب بكثافة، ما يخفف الضغط على المحطات ويلغي مشهد الطوابير. وتضفي حركة الأمن العام على المحطات وتشديدها على إبراز الفواتير، جوّاً من الارتياح، قد يسهم في تخفيف الطلب على البنزين.

كل ما تقدّم هو صورة عن الواقع الذي سيزداد تعقيداً. فما ذهب لن يعود، وحماية الفاسدين هي ممارسة لن تتوقّف لأنها باب من أبواب السيطرة على الجمهور. أمّا التنصّل من هؤلاء، فهو بدعة لا تستدعي سوى الضحك، خاصة عند الجنوبيين الذين يعرفون كيف يبني الثنائي علاقاته مع الناس، وإن كانوا من أنصاره. فكل شيء مكشوف

 

المصدر: المدن

الكاتب: خضر حسان