عقد تأليف الحكومة ثانويّة أمام انحدار العلاقة بين عون والحريري... والنيات المبيّتة لن تزول بين ليلة وضحاها!

  • محليات
عقد تأليف الحكومة ثانويّة أمام انحدار العلاقة بين عون والحريري... والنيات المبيّتة لن تزول بين ليلة وضحاها!

المشهد الحكومي المعقّد لا يَشي بعد 20 كانون بتغيير جوهري عما كان عليه ما قبله، ذلك أنّ التراكمات بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف  على مدى الأشهر الثلاثة الماضية، من نفور سياسي وشخصي وتعقيدات مصلحية وحصصيّة مرتبطة بشكل الحكومة الجديدة وحجمها ومضمونها، وضعهما أمام استعصاء مقفل يُقارب الاستحالة في بناء قاعدة مشتركة بينهما، يبنيان عليها تفاهماً على حكومة.

واذا كان تأليف الحكومة قد شكّل الهمّ الاساسي منذ استقالة رئيس حكومة حسان دياب في آب الماضي وبعدها الإطاحة بتكليف السفير مصطفى اديب، الّا أنّ ما تَسارع من تطورات منذ تكليف الرئيس الحريري، وعلى ما يقول مطلعون على أجواء القصر الجمهوري وبيت الوسط لـ»الجمهورية»، جعلَ من عقد تأليف الحكومة وبالرغم من صعوبتها، أمراً ثانويّاً أمام انحدار العلاقة بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلّف الى حدود الكَسر بعد الفيديو المسرّب لرئيس الجمهورية وكلامه بحق المباشر بحق الرئيس الحريري، وهذا معناه أنّ أيّ محاولة بحث جديدة عن مفتاح التأليف، توجِب أن تسبقها أولاً إعادة ترتيب العلاقة بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف  الشريكين دستوريّاً في تأليف الحكومة، تأخذ شكل المصالحة بينهما، وبعد ذلك يتم الإنتقال الى الخطوة التالية أي وضع الملف الحكومي على بساط التأليف من جديد، فمع بقاء حالة الكسر في علاقة رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف  على ما هي عليه، يسقط مسبقاً أيّ رهان على توافقهما على تأليف حكومة».

وعلى الرغم من أنّ عون والحريري لم يجاهرا صراحةً وعلناً بالقطيعة بينهما، في وقت أنّ اجواءهما تجاهر بأكثر من ذلك، فإنّ السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الوضع: هل ثهناك من هو قادر على عقد المصالحة بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف؟ وهل انّ رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف  على استعداد للمصالحة وفتح صفحة جديدة في العلاقة بينهما يمضيان من خلالها نحو تأليف الحكومة؟ أم أنّهما وصلا فعلاً إلى حائط مسدود إلى حدّ أنّ التعايش بينهما تحت سقف حكومي واحد قد أصبح مستحيلاً؟

وعلى ما يؤكد مواكبون للعلاقة بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف  لـ«الجمهورية» فإنّ ما طَفا على سطح هذه العلاقة، إنْ عبر الكلام العالي السقف الصادر عنهما مباشرة أو عبر الهجومات السياسية المتبادلة بحدّة بين «التيار الوطني الحر» وتيار «المستقبل»، لا يشي بالتفاؤل، بل يعزّز فرضية التشاؤم وبقاء الجسور مقطوعة بين القصر الجمهوري وبيت الوسط، ويضاف إلى هذا التشاؤم فشل كل المحاولات الحثيثة التي بذلت، وعلى وجه الخصوص من البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، لإصلاح ذات البين بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف  بما يحملهما على الإفراج عن الحكومة».

وتجزم المصادر «أنّ العوامل السياسية المفاقمة لهذه الأزمة مع ما رافقها ممّا بات يسمّى بـ»صراع معايير ثلث معطّل» على حلبة تأليف الحكومة بين عون والحريري، صار جليّاً أنّها تحتلّ المرتبة الثانية، بعد العامل الشخصي الذي وسّع الهوّة بينهما أكثر، والمتفاقم أصلاً بينهما منذ ما قبل تكليف الرئيس الحريري تشكيل الحكومة. فهذه العوامل بشقّيها السياسي والشخصي تبدو حتى الآن أقوى من أيّ محاولات جَرت لتجاوزها وفشلت، أو أيّ وساطات بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف ، كتلك التي يجري الحديث عن القيام بها مع عودة الرئيس المكلف الى بيروت، لعلها تنجح في اعادة التواصل بين عون والحريري وتحملهما على استئناف لقاءاتهما والبحث من جديد في تأليف الحكومة، وعلى نحو مُغاير لما كان عليه قبل ظهور جمر الخلاف بينهما من تحت الرماد».

وفيما كشف معنيون بتلك الوساطات لـ«الجمهورية» انّ الاسبوع الجاري قد يحمل قبل نهايته بعض الايجابيات على هذا الصعيد، خصوصاً في ظل «التجاوب» الذي بدأ يظهر على خط المسعى الذي يقوم به منذ أيام اصدقاء مشتركون بين القصر الجمهوري وبيت الوسط، فإنّ المعطيات المتوافرة لدى بعض الوسطاء تفيد بأنّ الرئيسن عون والحريري لم يقفلا الباب نهائياً، الّا انّ المشكلة تكمن في أنّ كلّاً منهما ينتظر الآخر لكي يبادر في اتجاهه.

وقال صديق مشترك بين بعبدا وبيت الوسط لـ«الجمهورية»: من الطبيعي ان تشهد اي وساطات بعض الصعوبات، وذلك بالنظر الى أنّ الهوة بين عون والحريري تعمّقت الى حدّ كبير جداً بفعل المداخلات من قبل المحيطين بهذا الجانب او ذاك، والتي وَرّمت العوامل السياسية والشخصية بينهما الى الحد الذي بلغته وجرى التعبير عنه في السجالات الاخيرة.

وأكد الصديق المشترك أن في الاشتباك القائم ارتفع كل رئيس الى سقفه الأعلى، وبالتالي استنفد طرفا الأزمة كلّ شيء، وقدّم كل منهما اقصى ما لديه، ما يعني انهما وصلا الى حائط مسدود، ولا يستطيعان الاكمال على هذا المنحى التصعيدي. ووفق معطيات هذا الصديق، فإنّ عون والحريري أصبحا محرَجين حتى ولو لم يعترفا بذلك، ولن يطول الامر حتى يسلّما بالأمر الواقع، وبانعدام الخيارات امام كل منهما، وتبعاً لذلك يخطو كل منهما خطوة في اتجاه الآخر، وهذا ما قد تشهده الأيام المقبلة ربطاً بحركة الوسطاء.

الى ذلك، وعلى الرغم من التأكيدات الداخلية والخارجية في آن معاً بأن لا رابط بين الاستحقاق الاميركي في 20 كانون الثاني وبين الاستحقاق الحكومي اللبناني المعطّل منذ أشهر، فإنّ بعض القراءات السياسية على ضفتي الاشتباك الداخلي تلتقي على اعتبار أنّ ما بعد هذا التاريخ، مرحلة لبنانية جديدة عنوانها العدّ التنازلي لتشكيل الحكومة.

وسألت «الجمهورية» مرجعاً مسؤولاً اذا كان يتفق مع تلك القراءات؟ فقال: أتمنى لو أنها واقعية، فاللبنانيون حشروا أنفسهم في الاستحقاق الأميركي رغم إدراكهم أن لا مكان لهم فيه على الاطلاق، وأنّ لبنان وأزمته خارج اجندة اولويات الادارة الاميركية الجديدة.

وقال: إنّ مشكلتنا في الاساس هي مشكلة نيات مبيّتة ما زالت قائمة بين طرفي التأليف، واستمرار يعدم كل فرضية تفاؤل بإمكان تأليف الحكومة في المدى المنظور، ومعنى ذلك أننا سنبقى في هذا الجو المعطّل حكومياً لعدة أشهر في أقل تقدير. ورداً على سؤال عمّا اذا حصل تقارب بين عون والحريري ربطاً بجهود الوسطاء؟ اكتفى المرجع المسؤول بالقول: هذه النيات لا تزول بين ليلة وضحاها، فضلاً عن أنّني لا أتوقع ان يتنازل احد لأحد، لأنّ كل طرف رَسّم حدوده عند نقطةٍ إذا تراجع عنها ستعتبر هزيمة له وإحراجاً امام جمهوره، وربحاً ومكسباً للطرف الآخر. وبالتالي، لا أرى أنّ شريكَي التأليف سيتنازلان لبعضهما البعض إلا اذا أرغمهما على ذلك طرف ثالث وفرض عليهما تأليف الحكومة، الّا أنّ هذا الطرف الثالث لم يظهر بعد، وبالتأكيد انّ هذا الطرف ليس لبنانياً.

 

المصدر: الجمهورية