لا تستسهِلوا غضب ماكرون!

لا تستسهِلوا غضب ماكرون!

لجأت جماعة السلطة إلى تمثيلية «التشريع الإصلاحي»، العاجلة، فقط لذرّ الرماد في العيون. فهل يصدِّق أحدٌ أنّ أولئك الذين نَهبوا الدولة وأموال الناس وهرَّبوها، ويتهرَّبون من أي تدقيق جنائي و«يستقتلون» للإمساك بالوزارات والمؤسسات الدسمة، قرّروا طوعاً فضح أمورهم واقتنعوا بأنّ عليهم أن يُحاسِبوا أنفسهم بأنفسهم بقانون الإثراء غير المشروع… وينتحروا؟

إنها تمثيلية يحاولون فيها الإيحاء بالتجاوب مع مطالب الإصلاح الدولية، لكنهم في الواقع سيقومون بإجهاض كل القوانين الإصلاحية التي جرى إقرارها. وفي الموازاة، تدور تمثيلية أخرى، حيث يحاول بعض أبطال هذا الطاقم السياسي إظهار نفسه متمايزاً وداعماً للإصلاح، لعله ينجو من العقوبات الأميركية والفرنسية. ولكن، في الواقع، يتضامن الجميع لحماية «النظام»، كلّ من موقعه.

في هذه الأجواء، ليس صعباً أن يدرك ماكرون استحالة أن يتوصّل الطاقم السياسي إلى إنتاج حكومة جديدة وجديرة بالثقة، ضمن المهلة الممدَّدة. ويعرف أنّ طاقم السلطة يفضِّل تمرير المرحلة بحكومة دياب التي يسيطر عليها، بصيغة تصريف الأعمال، على أن يتمّ تفعيلها «غبّ الطلب»، فتبقى المؤسسات والملفات الحسّاسة تحت السيطرة، من تحقيقات المرفأ إلى مفاوضات ترسيم الحدود جنوباً إلى رفع الدعم وخراب البصرة مالياً ونقدياً واقتصادياً… وربما أمنياً.

إذاً، بعدما حصد ماكرون أولى خيباته اللبنانية في تجربة مصطفى أديب، ماذا سيفعل بعد 6 أسابيع، أي في بدايات تشرين الثاني؟

بعض العارفين بمناخ الإليزيه يقول: يومذاك، لن يكون لماكرون شيء يخسره في التعاطي مع أركان السلطة. وهو كان صريحاً عندما أبلغهم أنه تعرَّض للخيانة منهم.

والشعور بالخيانة يعود إلى أنّ ماكرون خسر الكثير من رصيده مع العديد من القوى الإقليمية والدولية، بما فيها الولايات المتحدة، بسبب إصراره على الوقوف في شكل متمايز إلى جانب إيران و«حزب الله».

لقد اعتقدت فرنسا أنها سلّفت إيران الكثير من الدعم. وبوصفها أحد القطبين الأساسيين في الاتحاد الأوروبي، مع ألمانيا، هي ساهمت في تمييز الموقف الأوروبي عموماً عن موقف الولايات المتحدة المتشدّد في ما يتعلق بالاتفاق حول الملف النووي. وفي جانب آخر، بقيت فرنسا تُميِّز جناحَ «حزب الله» السياسي عن جناحه العسكري وترفض تصنيفه إرهابياً.

وفي مبادرته اللبنانية، بعد انفجار المرفأ، عمل ماكرون على احتضان «الحزب» بوصفه مكوِّناً سياسياً لبنانياً، على رغم ما استثاره ذلك من ردود فعل رافضة في واشنطن.

ولكن، إلامَ انتهى ماكرون؟

تبيَّن له أنّ «الحزب» وشركاءه في السلطة استفادوا من ليونة فرنسا وغطائها ورصيدها الدولي، لكي يَحموا أنفسهم ويواصلوا النهج الذي أوصل البلد إلى الانهيار. بل إنهم أرادوا الحصول على المال من مؤتمر الدعم الذي وعد ماكرون بتنظيمه في باريس، الشهر المقبل، لتعود إليهم القدرة الكافية للإمساك بالسلطة بشكل أقوى.

ولكن، يقول العالمون بالموقف الفرنسي، سيكون ردّ ماكرون قاسياً. فهو لن يمرّر إطلاقاً أي خطوة تخدم مصالح طاقم السلطة. وقد مهَّد لهذا الردّ بإعلانه عن عقوبات سيتخذها الفرنسيون وتستهدف أركان هذا الطاقم.

وأساس هذه العقوبات، كما بات واضحاً، هو فضح عمليات النهب التي ارتكبها هؤلاء وجماعاتهم بالأرقام والوقائع على مدى سنوات. وهذه المعلومات جاهزة لدى المعنيين في باريس ولا تحتاج إلا إلى إعلانها على الملأ، ما سيؤدي إلى فتح ملفات مُهينة ضد المرتكبين، وفقدان هؤلاء مشروعية قيادتهم للبلد.

وهذا ما يفسِّر تأكيد ماكرون، في إطلالته الأخيرة، أنّ إفشال المبادرة الفرنسية سيُحتِّم تغيير الطبقة السياسية الممسكة بالبلد حالياً. وبالتأكيد، في هذه الحال، لن يقوم الفرنسيون بأيّ خطوة لتسهيل الإفراج عن مساعدات «سيدر»، لأنهم ليسوا في وارد إنقاذ الطاقم.

عملياً، يعني موقف الفرنسيين أنهم اقتنعوا في النهاية بصوابية الموقف الأميركي القائل إنّ السبيل الوحيد لمساعدة لبنان يكون في إنهاء قبضة طاقم السلطة الذي يتحكّم به. وهو ما سيحتِّم التنسيق بين فرنسا والولايات المتحدة لفرض العقوبات.

حتى اليوم، إنّ طاقم السلطة يخشى العقوبات الأميركية لكنه يستخفّ بالتهديد الفرنسي ويعتقد أنّ ماكرون لا يمتلك الكثير من أوراق الضغط عليه، وأنّ الرئيس الفرنسي يحتاج إلى لبنان أكثر مما يحتاج لبنان إليه.

لكنّ العارفين يعتقدون أنّ هذا الاستخفاف بالعقوبات الفرنسية ليس في محلّه، وهم يفكرون جيداً في تكرار ماكرون تحذيراته: إذا فشلت المبادرة، فلبنان قد يواجه الحرب. وفي أي حال، يعتقد العارفون أنّ وقع عقوبات ماكرون لن يكون أقلَّ شراسة من العقوبات الأميركية لأسباب عدّة:

1 - لأنّ معظم الأموال اللبنانية المهرَّبة موجود في فرنسا ودول أوروبية أخرى. ومن السهل أن يعلن الفرنسيون عنها بالتفصيل إذا قرَّروا إطلاق العنان لعقوباتهم، فيصيبون غالبية أركان الطاقم السياسي مَقتلاً.

2 - فرنسا هي القوة الدولية الوحيدة التي تتمتّع برصيد وازنٍ في العالم وتحاول استخدام الأسلوب «الناعم» مع الطاقم السياسي في لبنان، والتخفيف من حدّة الضغط الأميركي. فإذا غضب الفرنسيون، سيجد هذا الطاقم أنه أصبح في مواجهة العقوبات أينما كان.

3 - تمتلك فرنسا مفتاح «سيدر»، الباب الوحيد المتاح حتى اليوم ليحصل لبنان على مساعدات دولية، ولو أنّ قرار الدعم يبقى في الأساس أميركياً. وخسارة «سيدر» تعني للبنان الدخول في المجهول.

البعض يقول: الذين يحتالون لتنفيس المبادرة الفرنسية ويَسْخرون من «نعومة» ماكرون وطول صبره سيندمون كثيراً لأنهم أضاعوا فرصة ثمينة. وعندما يتذوَّقون مرارة الآتي سيترحَّمون على هذه المبادرة، ولكن بعد فوات الأوان.

المصدر: الجمهورية

الكاتب: طوني عيسى