لا وطنيّةَ بدونِ وَلاء

لا وطنيّةَ بدونِ وَلاء

الولاءُ، في اللغة، هو الوفاءُ، والإخلاصُ، والمُناصَرَةُ، والتَّأييد. وهو، في القاموسِ السياسيّ، مبدأٌ أَخلاقيٌّ يُشكِّلُ مِحورَ كلِّ الفضائلِ الوطنية، أو هو الواجبُ الوطنيُّ الرئيسيُّ، بين الواجباتِ كلِّها. من هنا، يتخطّى الولاءُ المفهومَ النظريَّ البَحت، فلا يعودُ مُجرَّدَ دفاعٍ لَفْظِيٍّ عن الوطن، بل يَستوجِبُ التَّعبيرَعنه بالأفعال، وذلك للسَّيرِ بالوطنِ نحوَ تحقيقِ الآمالِ العريضةِ الواعِدَة.

في هذا الموضوعِ الدَّقيق، يُطرَحُ سؤالانِ مِحوَريّان : هل يَستحِقُّ الوطنُ الذي يَجتمعُ فيه الناسُ، والتاريخُ، والثقافةُ، والآمالُ، أن يولِيَهُ ساكِنوهُ ولاءَهم ؟ وهل يندرجُ هؤلاءِ السّاكِنون، جميعاً، في تصنيفٍ واحدٍ، أم ينبغي التَّمييزُ بينهم، والتَّفريقُ، استناداً الى مفهومِ الولاء ؟

إنّ الإنتماءَ الى الوطنِ لا يُشكِّلُ، بالضرورةِ، دليلاً على الولاءِ له. فاقتِناءُ بطاقةِ الهويةِ لا يَعني، حتماً، أنَّ حاملَها قد تَوَلَّدَت عندَهُ ثقافةُ التَّرابُط، أو قد نشأَ عَقدٌ بينَهُ وبينَ وطنِهِ، لا تَزولُ بُنودُهُ، بِحُكمِ المصلحةِ أو الظُّروفِ، أيّاً تَكُنْ. لذلك، فمِعيارُ الإلتزامِ بالولاءِ للوطن، يَتَمَظهَرُ في السّلوكِ الذي يُتَرجِمُ مشاعرَ الإِعتزازِ بالإِنتماء، ويَصِلُ الى حَدِّ القَبولِ بمُقَوِّماتِ التَّضحيةِ في سبيلِ حمايةِ استقرارِ الوطنِ، وصَونِ كرامتِهِ، والزَّودِ عن سيادتِه. واستناداً، اعتُبِرَ الولاءُ أولَوِيَّةً مُطلَقَةً في علاقةِ المُواطِنِ بوطنِه، إِذ يَجعلُهُ أكثرَ قُرباً منه، ويُحَفِّزُهُ على العملِ بالأَخلاقيّةِ التي تُنَوِّرُها القِيَمُ، لتحقيقِ مُندرجاتِ الإِخاءِ، والإحترامِ المُتَبادَلِ، والسّلوكِ الفاضلِ والدّاعمِ للتَّآلُفِ والتَّعاون. وهذا بالذات، هو السّلوكُ الحَضاريُّ الذي يَستطيعُ الحِفاظَ على التَّماسُكِ الوطنيِّ، وتَآزُرِ المُواطِنين. إنّ الولاءَ هو القيمةُ العُليا السّائدةُ، التي يَنبغي أن تكونَ مُتَحَكِّمَةً في وجدانِ الناس، وهو الإِمكانيةُ العظيمةُ التي تجعلُ المجتمعاتِ قادرةً على تحقيقِ غاياتِها، وهذا يعني بَذْلَ الجُهودِ من أجلِ رُقِيِّ الوطن، من خلالِ تحويلِ المُؤهّلاتِ المُتاحةِ الى طاقاتٍ إيجابية، تبدو نتائجُها في التقدُّمِ، والإزدهارِ، وتَحصينِ الوجودِ والسيادة.                                           

إنّ الولاءَ للوطنِ يكونُ مُطلَقاً، أو لا يكون. فالسائِدُ، عندَنا، هو الخَلْطُ بينَ الولاءِ للوطنِ ومؤَسّساتِهِ، وبينَ الولاءاتِ الرَّديفةِ البديلة، كالولاءِ للطَّوائفِ، والأحزابِ، والأشخاصِ، وبُلدانِ ما وراءَ الحُدود. حتى إنّ البعضَ من السياسيّينَ والإنتِهازيينَ والمُستَقوين، في هذا المَجال، يعيشُ في جُزُرٍ مَعزولةٍ عن الوطن، ويتعاملُ معه انطلاقاً من ولائِهِ الضَيِّق، إِنْ لم نَقُلْ: المَشبوه. إنّ هذا البعضَ، على اختِلافِ مَشارِبِهِ وتوجّهاتِهِ، والذي يتزيَّنُ بالوطنية، في الظّاهِر، ويُبدي ما لا يُخفي من حقيقتِهِ اللّاوطنيّةِ واللّاولائيّة، هو مُتَصَدِّعُ الإنتماءِ كُليّاً، وهذه سلوكيّةٌ خطيرةٌ، من شأنِها أن تُدمِّرَ مُكَوِّناتِ الوطن، من بابِ هَدْمِ الأُسُسِ التي تُبنى عليها مَنظومةُ الولاءِ الوطنيّ. إنّ هذا البعضَ الزّائِفَ، وطنيّاً، يَعمدُ الى تَشويهِ صورةِ الوطن، بِدافِعِ عَمالةٍ رخيصة، تسعى الى نَشرِ ثقافةٍ لا تَتَجانسُ مع معاييرِ السيادةِ، ومبادئِ الكرامةِ الوطنية، باستخدامِ أساليبَ إنقلابيّةٍ مُغرِضَة.                                                                                             

من مظاهرِ الولاءِ الوطنيّ، حمايةُ سُمعَةِ الوطن. فهَلْ يتناغمُ الخُطابُ السياسيًّ الرّاهنُ، وسلوكُ  الذين يَدَّعونَ هذهِ الحمايةَ، مع هذا التَوَجُّه؟ إنّ مَضامينَ خطابِهم، ومَفاصلَ سلوكِهم، تَتَمَحورُ حولَ تَشويهِ صورةِ الوطنِ، والإستقواءِ على الدّولة، وأخْذِ الشَّعبِ رهائِنَ بالتَّرهيبِ والتَّخويف، ما يَغتالُ مقوِّماتِ الولاءِ، ويَنحَرُ أُسُسَ العيشِ الكريمِ، من حريةٍ، وأَمنٍ، وعدالة. من هنا، يَبدو أصحابُ هَذَينِ الخُطابِ والسّلوك، حاقِدينَ على الوطن، أَهدافُهم تَدميريّةٌ لا تَمَتُّ للولاءِ بِصِلَة.إذا كان الولاءُ يعني التمسُّكَ بثوابتِ الوطنِ وقِيَمِه، والمُساهمةَ في غَرسِ الرّوحِ الوطنيةِ في الأَجيالِ، من خلالِ توجيهٍ تَوعَوِيٍّ يُرشدُ الى مُعانقةِ الوطنِ مُعانقةً سرمديّة، الى حَدِّ ذَوبانِ الذّواتِ كُلِّها بِذاتِ الوطن، أوليسَ حَرِيّاً بلبنانَ أن يَنبذَ الزَّنادِقةَ ذَويي الولاءاتِ المَشبوهة، ليَتَطَهَّرَ من التَلَوُّثِ باللّاوَطَنيّة ؟؟؟؟

المصدر: Kataeb.org

الكاتب: جورج شبلي