لبنان... حكومة أسقط في يدها

لبنان... حكومة أسقط في يدها

يحاول رئيس وزراء لبنان حسان دياب أن يبقى على الكرسي. يقاتل بشراسة ليثبت أنه قادر على حلحلة أزمات البلاد، ولكن منذ أن ولدت الحكومة الحالية وحتى اليوم يزداد الوضع سوءا، ويكبر عجزها عن التقدم وسط الألغام السياسية والاقتصادية والطائفية التي تحيط بها.

كان دياب يظن أن فرضه على اللبنانيين من قبل حزب الله وحلفائه يكفي ليستتب له الأمر، ولكنه اكتشف أن الحزب وضعه على فوهة مدفع يقاتل به على جبهات عدة. كما أدرك أن الحراك الشعبي الذي دفع بسلفه للاستقالة، كان ناقما على الوضع وليس على سعد الحريري بشخصه.

حال دياب لا يحسد عليه. وهو ليس بأحسن من حال الشعب الذي خرج مطالبا بالتغيير فحصل على حكومة لا تقل سوءا عن سابقاتها، ولكنها تقل عنها سلطة لأن رئيسها ليس لاعبا رئيسيا في السياسة اللبنانية. وحتى من يحظى دياب بدعمهم من الفرقاء الأصليين في تلك اللعبة، ليسوا بأفضل حالاتهم لأنهم يشكون وطأة الضغوط الداخلية والخارجية التي تراكمت ضدهم لسنوات طويلة.

على سبيل توصيف المشهد بواقعية. يمكن القول إن دياب هو الناطق باسم ما بات يعرف بالعهد الجديد للبنان. والمكون بشكل أساسي من التيار الوطني الحر وحركة أمل وحزب الله. لا يبدو هذا العهد متماسكا داخليا رغم أن مكوناته تواجه خطرا كبيرا يتهدد مكتسباتها التي تحققت على مدار عقود. والسبب أن هذا الخطر لا يتمثل بعدو خارجي، وإنما باستحقاق داخلي للأطراف الثلاثة أمام قواعدهم الشعبية التي ضاقت ذرعا بمقايضة العيش الكريم بـ”المقاومة”.

رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط يصف الحكومة بالمتآمرة على الشعب. وطالما أن الحكومة تمثل العهد الجديد، فهذا يعني أن ثلاثي “أمل وحزب الله والتيار الحر” هم المتآمرون على الشعب. ولأن هذا الثلاثي يعرف أن المواجهة مع الشارع قد بلغت ذروتها وأصبح اللبنانيون لا يخشون الموت بقدر ما يخشون الجوع، خرج رأس العهد الرئيس ميشال عون ليلوح ببعبع الحرب الأهلية، ويشتري بعض الوقت في تلك المواجهة التي تكبر في البلاد ككرة الثلج.

لم تفلح لعبة عون بالتخويف من الحرب الأهلية. ومحاولة فرضه أجندة حزب الله في الشؤون الخارجية كشرط للاتفاق على حل للأزمة المالية، باءت بالفشل وانفضت طاولة الحوار الوطني دون أي نتيجة. لسان حال المقاطعين للحوار يقول إن السلم الأهلي اللبناني سيبقى بمنأى عن أي تهديد داخلي أو خارجي إذا ارتضى حزب الله أن يكون جزءا من الدولة وليس دولة داخل الدولة.

السفيرة الأميركية في بيروت ترى ذلك أيضا، وتقول إن حزب الله الإرهابي كما تصنفه واشنطن وعدة عواصم حول العالم، هو من يهدد استقرار البلاد. للبنانيين تجربة مريرة في هذا، وقد اختبروا في السابع من مايو عام 2007، كيف يمكن للحزب أن يحتل العاصمة بقوة السلاح، فقط لمجرد إقالة أحد رجالاته من السلطة، أو محاولة فرض سلطة الدولة على شبكة اتصالات الحزب.

بعد أكثر من ثلاثة عشر عاما لا توجد اليوم ضمانات بألا تتكرر أحداث 7 مايو. حزب الله اليوم يسيطر على الحكومة ليضمن عدم اتخاذ أي قرارات ضده، لكن ماذا عن الحراك الشعبي؟ هل يمكن أن يواجه الحزب هذا الحراك بقوة السلاح إن ظل يطالب بالإصلاح الاقتصادي، خاصة وأن أزلامه وأفواهه الإعلامية بدأوا يروجون لفكرة المؤامرة الكونية على محور “المقاومة”؟

لا تلحظ أبواق حزب الله أن اللبنانيين يخرجون إلى الشوارع منذ أشهر للمطالبة بالإصلاح الاقتصادي وليس بتحرير مزارع شبعا من الاحتلال الإسرائيلي. لا يعترفون بأن اللبنانيين باتوا يبحثون عن رغيف الخبز، ولم تعد تعنيهم كل شعارات حزب الله أو غيره من القوى السياسية. كما لم تعد تعنيهم أيضا تصفية الحسابات التي تحدث بين الحزب وخصومه في الداخل أو الخارج.

الحراك الشعبي المتواصل في لبنان لا يعفي أي تيار سياسي من المسؤولية في أزمات البلاد، ويطالبون الجميع دون استثناء بحل هذه الأزمات. لكن السؤال هو من يريد حلها ومن لا يريد لغاية ما في نفس يعقوب؟

التباين بين الساسة حول سبل حل الأزمة المالية التي تمر بها البلاد واضح للقاصي والداني. وصندوق النقد الدولي الذي يحاوره اللبنانيون للحصول على دعمه بات محبطا إلى درجة اليأس من اتفاق قادة الكتل والأحزاب على آلية واحدة للخروج من الأزمة. وما يدلل أكثر على هذا التباين هو سلسلة الاستقالات التي وقعت في الفريق التفاوضي اللبناني مع الصندوق والدول الداعمة.

ولا تمتلك الحكومة اللبنانية فعل أي شيء حيال هذا الانقسام السياسي حول سبل حل الأزمة المالية في البلاد. كل ما يمكنها فعله هو تنفيذ إملاءات العهد الجديد باتهام هنا وتصريح هناك ضد الطرف الآخر الذي يتهم بتعطيل الحل كما يريده ويراه حزب الله. هكذا تكون الحال عندما يفصل فريق سياسي رئيس وزراء بمقاس أصغر من متطلبات المرحلة. تسقط الحكومة في يدها وتستعر نار الأزمة في البلاد حتى تفلت من عقال الصبر والحلم لدى الشعب.

المصدر: العرب اللندنية