"ليس لدينا شيء هنا"... موجة من اليأس وقصص هروب تنتهي بالموت

  • محليات

صعد محمد حسني واثنان من أصدقائه المقربين في قارب متهالك مع عشرات الأشخاص الآخرين، من مدينة طرابلس الساحلية شمال لبنان إلى قبرص، تلك الجزيرة التي يتبع جزء منها للاتحاد الأوروبي، والتي تبعد عنهم نحو 100 ميل.

دفع كل منهم للمهربين 5 ملايين ليرة لبنانية، أي ما يعادل 650 دولارا أميركيا، مقابل وعد بحياة جديدة في أوروبا. باع البعض بيوتهم، فيما باع آخرون متعلقاتهم الشخصية ومجوهراتهم، فلا أحد ينوي العودة.

وكان حسني البالغ من العمر 24 عاما قد تضرر بشدة من الأزمة الاقتصادية في لبنان، ولم يكن لديه عمل منتظم منذ شهور، تناوب هو وشقيقه علي على قيادة سيارة أجرة، وكانا يحصلان على 50 ألف ليرة لبنانية في اليوم، أي ما كان يعادل 30 دولارا في أكتوبر 2019، والآن أصبح يعادل 7 دولارات فقط.

ولا يعمل أي أحد من إخوة حسني الخمسة، وقد تضاعف سعر أدوية والدته ثلاث مرات، ويقول علي "كنا نأمل أن يصل محمد إلى أوروبا، ويحصل على وظيفة، ويرسل الأموال لمساعدتنا جميعا".

وبدلا من ذلك، تم في الأسبوع الماضي انتشال جثة محمد حسني من مياه البحر جنوب بيروت.

لبنان الذي لطالما كان وجهة لأكثر من مليون لاجئ فلسطيني وسوري، يبدو الآن أنه مستعد لأن يصبح مصدرا للاجئين، حيث أدى الانهيار الاقتصادي في البلاد والشلل السياسي الذي تفاقم بسبب انفجار المرفأ الشهر الماضي، إلى قتل أي آمال في المستقبل.

وخلال فترة الحرب الأهلية اللبنانية بين 1975 و1990، فر مئات الآلاف هربا من العنف والقتل والتدمير، لكن الأمر مختلف هذه المرة، إنهم يفرون من اليأس.

أحصت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين 18 قاربا مثل قارب حسني، غادرت لبنان بين 29 أغسطس الماضي و14 سبتمبر الحالي، وهذا العدد من القوارب، أكثر من عدد القوارب التي غادرت خلال العام الماضي بأكمله.

المهاجرون ليسوا فقط من اليائسين والفقراء، بل أيضا من المتعلمين والخريجين، الباحثين عن مخرج وطريقة ليحققوا بها أحلامهم بمستقبل أفضل، وليحصلوا على وظائف، وهؤلاء قادرون على شراء تذاكر سفر وركوب الطائرة بدلا من قوارب الموت.

الهروب من لبنان هو تتويج لسلسلة من الكوارث المتفاقمة، والمستمرة منذ فترة طويلة، ووصلت إلى ذروتها في نهاية العام الماضي، مع بداية انهيار سعر صرف العملة المحلية، الليرة اللبنانية، مما أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم مع بقاء الرواتب ثابتة.

وتضاعفت أسعار المواد الغذائية ثلاث مرات، فيما تقلصت الطبقة الوسطى، في حين يعيش أكثر من نصف السكان الآن تحت خط الفقر.

وكان الأمن الغذائي يمثل مشكلة حتى قبل انفجار آلاف الأطنان من نترات الأمونيوم في 4 أغسطس في ميناء بيروت، مما أدى إلى تدمير صوامع القمح، وهي أكبر مخازن للحبوب في لبنان.

وأبرز الانفجار إهمال وعجز الحكومة اللبنانية التي استقالت بعده بفترة وجيزة، وجاء الموعد النهائي الفرنسي لتشكيل حكومة جديدة، يمكنها إجراء إصلاحات تشتد الحاجة إليها في الوقت الحالي.

ويجري لبنان محادثات مع صندوق النقد الدولي منذ شهور للحصول على قروض قد تخفف من عبء ديونه الثقيل، لكن زعماء الطوائف تشاجروا فيما بينهم، بدلا من القيام بمعالجة المشاكل وإجراء إصلاحات جادة.

عشرات آلاف المتضررين من الانفجار ناشدوا الدول الأجنبية عدم وضع أموال المساعدات في أيدي الحكومة اللبنانية، خوفا من أن يتم تحويلها إلى جيوب الفاسدين وإدارتهم السيئة.

كل هذا يجعل من الصعب رؤية طريق الانتعاش في لبنان، حتى بالنسبة لأولئك الذين يجب أن يكون لهم مستقبل، فلأشهر، كان حسن كنج يبحث عن طرق للسفر إلى الخارج، كان يعمل مهندسا في بيروت، لكنه لم ير أي مستقبل فيها.

انضم كنج إلى مجموعة على واتس أب للبنانيين المتجهين إلى فرنسا، حيث يتبادلون معلومات لوجستية ونصائح لمغادرة لبنان، وبعد أسبوع من صعود حسني للقارب في طرابلس، استقل كنج البالغ من العمر 24 عاما رحلة متجهة إلى فرنسا.

وقال كنج من بيته الجديد في فرنسا إن الخطة كانت الحصول على قبول في الجامعة للدراسة في الخارج، وإنهاء الماجستير، وبدء حياة بعيدة عن لبنان.

وبالنسبة لمن هم مثل حسني، فإن الطريق إلى حياة جديدة أطول، وأكثر خطورة. قلة من القوارب تصل إلى أوروبا، والكثير منها يعاد إلى لبنان على الفور.

وتوصلت قبرص ولبنان إلى اتفاق لمحاولة منع هروب اللاجئين في البحر، وقال خالد حنوف، مدير مشروع بمؤسسة الصفدي في طرابلس، وهي منظمة تنموية، إن النزوح لا يحل بطريقة أمنية.

وقال حنوف إن المزيد من الدوريات، والمزيد من رجال الشرطة، ليسوا حلا فعالا لأزمة الهجرة عبر البحر، والشباب يأتون إلي ويطلبون تدريبا وظيفيا، لإكسابهم مهارات تؤهلهم للعمل في الخارج، وليس في لبنان، والكل يريد الخروج.

وأضاف أن لبنان بحاجة إلى مزيد من الإجراءات على مستوى السياسات لحل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية المتفاقمة والكثيرة، والمشكلة ليست في البحر فقط.

وبالعودة إلى حسني، بعد يوم من مغادرته الشاطئ، في رحلة كان ينبغي أن تكون 40 ساعة إلى قبرص، كان من الواضح أن قاربه قد ضاع في البحر، ونفد الوقود من القارب، ولم يتبق طعام أو ماء.

وكان الناس يقومون بتصفية مياه البحر من الملح باستخدام حفاضات أطفال للحصول على مياه صالحة للشرب، ولم تكن هناك إشارة استقبال للهاتف المحمول.

وعندما بدأ الموت يفتك بالناس، بمن فيهم طفلان، تركت جثثهم طافية في البحر الأبيض المتوسط، وربط الركاب الناجون رسالة على جثة أحد الضحايا، على أمل أن يتمكن أحدهم من رؤيتها، لتحديد مكانهم وإنقاذهم.

تم إنقاذ القارب في النهاية بعد ثمانية أيام في البحر، لكن حسني قفز منه وحاول السباحة طلبا للمساعدة، توفي أربعة، ولا يزال آخرون في عداد المفقودين.

وقالت ليزا أبو خالد من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن اللاجئين يعرفون مخاطر ركوب البحر، ولا يزالون على استعداد لتحمل هذه المخاطر.

حملت زينب كعك جثة ابنها البالغ من العمر 18 شهرا بين ذراعيها لمدة ثلاثة أيام بعد وفاته على نفس القارب، وفي النهاية، أقنعها زوجها بوضع جثته في الماء.

عندما أعيدت هي والناجين معها إلى لبنان، ووصل القارب إلى الميناء المدمر في بيروت، رفضت زينب النزول من القارب، وتشبثت به.

وقالت زينب، وهي جالسة في شقة والد زوجها في طرابلس، إنه ليس لدينا شيء هنا، وهي في انتظار اختبار الحمض النووي للتأكد من أن الجثة الصغيرة التي سحبت من البحر قبل أيام قليلة تعود لابنها.

وأضافت أن الأسرة تحاول منذ فترة طويلة إيجاد طريقة للهجرة، وبعد انفجار 4 أغسطس، أصبحوا يائسين وازداد عندهم الشعور بعدم الأمان.

ألم يقل الرئيس إن الناس الذين لا يحبون هذا البلد يجب أن يهاجروا؟، قالت شقيقة كعك، في إشارة إلى تصريحات الرئيس ميشال عون للمتظاهرين في نوفمبر من العام الماضي، وقالت إننا حاولنا الهجرة ولكن الله لم يساعدنا وفقدنا ولدا.

لا تلوم كعك المهربين على ما حدث، بل تلوم الحكومة على الظروف التي خلقتها، وقالت عن المهربين إنهم مثلنا، يفعلون كل ما في وسعهم للحصول على بعض المال، والأسرة في حاجة ماسة لمغادرة لبنان، وسنفعل ذلك مرة أخرى.

في غضون ذلك، أعيد جثمان حسني إلى طرابلس بعد أسبوعين تقريبا من مغادرته، وتجمع الأصدقاء والأقارب قرب سيارة الإسعاف التي تنقل جثمانه، وفي اليوم التالي أقام شقيقه علي ما أسماه حفل زفاف وليس جنازة.

وقال علي إنه أقام حفل زفاف لأنه كان سعيدا، وأراد رؤية أخيه يغادر لبنان إلى مكان أفضل، أعطاه الله ذلك، الآن هو في الجنة.

 

المصدر: الحرة