مقالات

التسوية اللبنانية وصفقة القرن: أموال العرب ومجد إيران

يعيش لبنان تنافساً صامتاً بين مختلف مكوناته وقواه، على إيقاع مسار صفقة القرن. لن يكون لبنان بمنأى عن تداعيات هذه الصفقة. وبعض الأطراف يراهن عليها إلى حدّ بعيد، للحصول على مكتسبات ثمينة. صحيح أنه تم رفض المشاركة في مؤتمر البحرين، بسبب عدم مشاركة السلطة الفلسطينية فيه. لكن الاتفاق على هذا المبدأ، لا يلغي وجود اختلافات عديدة بين القوى اللبنانية، حول ما يمكن أن يحصّله لبنان من تداعيات "صفقة القرن". فأساساً، هناك وجهة نظر واضحة لدى قوى "التسوية"، وتحديداً تيار المستقبل والتيار الوطني الحرّ، بأن ما بينهما هو أيضاً في "صفقة قرن" ستمتد طويلاً ما بعد عهد ميشال عون. وهي صفقة ليست بعيدة عن التحولات الكبيرة في المنطقة. فهذا التحالف، أو "التسوية" التي تمت بينهما كانت إحدى النتاجات غير المباشرة للاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة الأميركية. وهناك قناعة راسخة لدى الطرفين بأن مقومات هذه الصفقة ستبقى قائمة مستقبلاً، تحت ظلال حزب الله ورعايته. وهي لن تكون بعيدة عن المآل المنطقي للعلاقة الإيرانية الأميركية، التي تشهد تصعيداً حالياً، وستشهد في المستقبل مفاوضات وتفاهمات.

الحزب يترقّب.. ولن يتدخّل إلّا في حرب واسعة

مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران إثر انفجارات استهدفت ناقلتي نفط عملاقتين محمَّلتين بالخام في بحر عُمان، تساءل كثيرون حول مشاركة «حزب الله» في أيِّ نزاع قد ينشأ في المنطقة دعماً لإيران. يبدو «حزب الله» المدعوم إيرانياً في وضوح على كل المستويات، هادئاً ومراقباً للأوضاع التي تتجه إلى التأزّم بين الولايات المتحدة وإيران، وكأنه ملتزمٌ استراتيجيّة حدّدتها القيادة الإيرانيّة تقضي بتجنيبه أيَّ دور في المرحلة الحالية التي يتركز فيها النزاع على ضربات إيرانية موضعيّة للمصالح الأميركية وحلفائها في المنطقة، كضرب ناقلات النفط ومنشآتٍ خليجية للسعودية والإمارات. لم يشارك «حزب الله» في هذه الضربات، بل يظهر دور بارز للحوثيين فيها، وخصوصا في مهاجمة خط انابيب سعودي بصواريخ تنقلها طائرات بلا طيار، إضافة إلى مهاجمة مستودع أسلحة سعودي في نجران، المدينة القريبة من الحدود مع اليمن. وجاء توقيت هذه العمليات مع انتهاء مهلة 60 يوماً حدّدتها طهران لأوروبا بغية التوصّل إلى آلية بديلة لضمان بيع نفطها في موازاة العقوبات الأميركية عليها. إختيار إيران للحوثيين -لا «حزب الله»- لم يأتِ من العدم وليس مفاجِئاً، فاستخدامُها لميليشياتها تقرّره الظروف والوسائل المتاحة. فالحوثيون منخرطون في الحرب ضد السعودية واستخدامهم لا يؤدي إلى تداعيات سلبية كما لو تمّت الاستعانة بـ»حزب الله» المرتبط بواجب المحافظة على الاستقرار في لبنان. وتعتبر إيران أنّ كلفة استخدام «حزب الله» في مثل هذه العمليات مرتفعة في الوقت الحاضر، وبالتالي تعمل على تجنيبه المشاركة في حربها الباردة ضد الولايات المتحدة. في المقابل، من المتوقع أن يزداد دورُ الحوثيين في المرحلة المقبلة، وهذا ما يُعتبر خياراً ذكياً لأنّ أيَّ ردٍّ سيكون مسرحه اليمن لا إيران، والضربات الموجّهة للسعودية تكتيكيّة ويتمّ اختيارُها بمنتهى الدقة بدلاً من التعرّض مباشرة للمصالح الأميركية ما قد يؤدي إلى ردة فعل شديدة. في موازاة الاعتماد على الحوثيين، تتفّهم إيران وضعيّة «حزب الله» وظروفه، وتعلم أنّ أقل مشاركة له في النزاع ستؤدي إلى تدخل إسرائيلي، ومن المؤكّد أنه سيعرّض استقرار لبنان الهشّ للخطر، مع ما يستتبعه من إضعافٍ لاقتصاده شبه المنهار، وسيتسبّب في حرب إقليمية واسعة لا تريدها إيران. ولا يغيب عن بال قادة «حزب الله» أنه لا يحظى بدعم رسمي وشعبي في لبنان للقتال مباشرة لمصلحة إيران، لذلك خططت القيادة الإيرانية جيداً لدرجات الضرورة التي تقتضي منها استخدام كل الميليشيات التابعة لها في المنطقة. فبعد الحوثيين قد يأتي دور الميليشيات العراقية التي تشكّل ورقة رابحة أخرى في مرحلة لاحقة في استهداف مصالح أميركيّة في العراق. أما «حزب الله» فلا حاجة لمشاركته حالياً في النزاع الذي يدور ببطء مع واشنطن من وجهة نظر إيران، فيما حدّد الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصرالله بنفسه المرحلة التي تستوجب تدخّل حزبه في النزاع، مؤكداً من أنّ أيَّ حرب ضد طهران «لن تبقى عند حدود إيران، بل ستشعل كل المنطقة»، منبِّهاً الى أنّ هذا يعني أنّ المصالح الأميركيّة «ستُباح» و»جميع الذين تواطأوا وتآمروا سيدفعون الثمن، وأولهم إسرائيل وآل سعود». ولم يكتفِ نصرالله بالتلميحات، بل كان أكثرَ وضوحاً بقوله: «نحن لدينا في لبنان صواريخ دقيقة وبالعدد الكافي الذي تستطيع أن تغيّر وجه المنطقة والمعادلة». إذاً لن تكون هناك مشاركة لـ»الحزب» إلّا في حال اندلاع حرب كاملة بين الولايات المتحدة وإيران، وربما تأتي مشاركتُه إذا قررت حكومة النظام السوري الردّ على إسرائيل بسبب احتلالها مرتفعات الجولان وخصوصاً أنّ «الحزب» راسخ بعمق في جنوب سوريا بالمقاتلين والسلاح. لكن بعد انفجار ناقلتي النفط قد لا يكون كما قبله، وربما تفلت الأمور من عقالها وتنزلق المنطقة إلى تصعيد غير مسبوق، والعدائية بين الولايات المتحدة وإيران قد تجرّ الجميع إلى حرب كبيرة قد لا تُحمد عقباها.

1
Majnoun Leila EN
loading