من مياه المتوسّط الى المدرسة... قصّة انتهت برأس مقطوع وقد تُستكمَل بحرب مدمّرة!؟

  • إقليميات
من مياه المتوسّط الى المدرسة... قصّة انتهت برأس مقطوع وقد تُستكمَل بحرب مدمّرة!؟

تشهد أوروبا متغيّرات كثيرة، تتجاوز ما خلّفته جائحة "كوفيد - 19" من خسائر إقتصادية وسلوكيات إجتماعية جديدة، وتتجاوزها، إذ باتت تطال التصنيفات وطُرُق التعاطي مع الدول والحركات والتنظيمات الإسلامية، ولا سيّما في أكبر الدول الأوروبية.

لا تقتصر الأمور على مواجهة الدّور التركي في شرق المتوسط، ولا سيّما بالنّسبة الى فرنسا التي وصلت الى حدّ إبرام صفقات أسلحة مع اليونان، تتعلّق بالجُزُر اليونانية منزوعة السّلاح نفسها، بل تتعدّاها الى مناهضة النزعات الإنفصالية، والنزعة الإسلامية المتطرفة، داخل المجتمع الفرنسي، ومواجهة كلّ من يستعملون الدِّين لضرب قِيَم الجمهورية الفرنسية.

 

تشديد الرقابة

فليس أمراً عادياً، أو مرتبطاً فقط بالردّ على العمليات الإرهابية في فرنسا، والتي كان آخرها قطع رأس مدرّس، أن يُعلَن عن أن قوات الشرطة (الفرنسية) أطلقت عمليات ضد عشرات الأفراد المرتبطين بالتيار الإسلامي في البلاد. وليس أمراً عادياً القول إنه سيتمّ حلّ جمعيات عدّة، وتشديد الرقابة على كيانات مجتمعية متورّطة في بثّ الكراهية، والعمل على حلّ العديد منها بقرارات حكومية.

أوروبا تتغيّر، والشرق الأوسط أيضاً، والعالم. فما هي ملامح العالم الجديد، التي تشكّل الأحداث الأخيرة والجديرة بالتوقُّف أمامها، حلقة ضمن سلسلة، لا تُحصَر في صراع محدود بالجغرافيا والإقتصاد والمال والعسكر، فقط.

 

ديني - إيديولوجي

لفت الخبير في السياسات العامة زياد الصائغ الى أن "الصراع على مصادر النفط انتقل من الخليج العربي إلى منطقة شرق المتوسط. وهو بات ممزوجاً بتقاطُعات مسارات دينيّة - إيديولوجيّة تمثّلها تركيا وإيران".

وأوضح في حديث لوكالة "أخبار اليوم" أن "إيران تمثّل المسار الشيعي المتشدّد لولاية الفقيه، الذي يخرج عن مرجعيّة النجف، الشيعية العربية. أمّا تركيا، فهي تمثّل إعادة إنتاج خطاب الأخوان المسلمين، وتجاوُز تركيا العلمانية، ومحاولة استقطاب الشارع السنّي على أساس يقدّم أنقرة على أنها الأكثر تمثيلاً له، في ظلّ انكفاء عربي عام، وعن منطقة شرق المتوسط تحديداً".

ورأى أنّ "هذا الواقع قد لا يُنتج خراباً أمنياً تقوم به الجماعات المتطرّفة التي يُمكن أن تتقاطع مع إيران وتركيا. ولكنّ الخوف يتمحور حول إمكانية أن تتقاطع طهران مع أنقرة على إعادة استنهاض خلايا إرهابية نائمة، للقول إن مشكلة المنطقة تكمُن بالتطرُّف السنّي العربي. ولكن إذا ذهبنا الى دول الخليج نفسها، نجد على سبيل المثال، وثيقة "الأخوّة الإنسانية والسلام" التي وقّعها الحبر الأعظم البابا فرنسيس مع شيخ الأزهر أحمد الطيّب في الإمارات، العام الفائت. بالإضافة الى وثيقة مكّة، وبيانات الأزهر الشريف، وهذا مُناقِض للتطرّف".

 

تعقيدات

وأشار الصائغ الى أن "تركيا لا تستطيع اختراق المنطقة العربية مجتمعياً، رغم أنها تُدخِل نفسها حالياً الى بعض المجتمعات من باب المساعدات والمنح الجامعية والمدرسية. ولكن هذا الوضع سيسمح بردّة فعل معاكسة  تعزّز أدوار الكتلة المعتدلة في المنطقة، ولا سيّما في لبنان، حيث المجتمع المعتدل الذي تحصل اختراقات خارجية متطرّفة لهويته، على المستويَيْن الشيعي والسنّي، ولكنّه سيصمد ويواجه بحكم تاريخ قناعاته الحضاريّة".

وتعليقاً على الصّراع في منطقة شرق المتوسط، اعتبر الصائغ أنه "سيتّخذ أبعاداً كثيرة على صعيد المدّ التركي والإيراني، فيما بات الإقتناع الأوروبي مركّزاً على مسألة أن أمن أوروبا هو من أمن شرق المتوسط، وخصوصاً أمن لبنان. وبهذا المعنى، قد نكون أمام أيام من التوتّر والتعقيدات الإقليمية والدولية مستقبلاً، يُمكنها أن تُنتج بدورها حالة من التوازن لإعادة إنتاج الإعتدال في المنطقة".

 

البابا فرنسيس

وردّاً على سؤال حول إمكانية أن يُعمَّم التضييق الحاصل على الكيانات المتطرّفة في فرنسا، على أوروبا عموماً، وفي شكل موسّع أكثر مستقبلاً، أجاب الصائغ:"من المفيد أن نضع أمامنا في هذا السياق، الرسالة الأخيرة للبابا فرنسيس، "كلّنا أخوة"، التي يتطلّع فيها البابا الى عالم يتميّز بالأخوّة بين الجميع، في وقت تعيش أوروبا حالياً أزمة هوية".

وختم:"انتقلت أوروبا من حالة العَلْمَنَة الشاملة، الى البحث في المواطَنَة الحاضنة للتنوُّع، وكيفية إدارته (التنوّع) في داخلها. وبالتالي، نجد أن الصراع الحالي هو جيو - سياسي حضاري، وليس اقتصادياً أو سياسياً فقط، مع العلم أن النُّخَب الأوروبية تريد الحفاظ على خيار المواطَنَة، وترفض خطاب الشعبوية".

المصدر: وكالة أخبار اليوم