يا مَن تَبكُون جوسلين خويري... ماذا تَعَلَّمتُم منها؟؟؟

يا مَن تَبكُون جوسلين خويري... ماذا تَعَلَّمتُم منها؟؟؟

المَسلَكُ المَحفوفُ بالأَلغام، لا يُطِلُّ عليه إلّا الوَجهُ المُرَصَّعُ بالعنفوان، والرّوحُ المَعجوقُ بأَماراتِ المُواجهة، لتُكتَبَ، عندَها، الرّوائِعُ في صفحاتِ النّضال. هي رُموزُ النّارِ والجَمرِ والتّرابِ والدّم، ينقلُها غَوصُ اللَّحمِ في الموت، من دونِ خوف، من العَتمةِ الى البَشائر، مِصباحاً جليلاً يَستمدُّ زيتَهُ من جرأةٍ نابِضة، أَبَت أن تُسَجّى في كَفَنٍ صَدِئٍ، لِكي لا يُمطَرَ على الوطنِ صَمتٌ وشَوك.
جوسلين خويري، التي لم يستَطِعِ الرُّكامُ أن يَكسرَ جبينَها، لم تَسمَحْ لليأسِ بأن يَصفعَ أنفاسَها، فتَتَرَجّى، حتى بعدَ أن هجَرَتها رَيّاتُ النّدى. هذه التي لم تَلبِسْ خَلعاتِ التَّشاوُفِ، بالرَّغمِ من انتمائِها الى أُسْرَةِ الضَّوء، تَلَقَّفَتها جَوقاتُ القلوبِ بِطَبعةِ المحبّة، كأمينةٍ على الرَّهافةِ، والنّقاءِ، والنُّبلِ، والشّجاعة، بِما لها من عُلُوِّ المِنَصَّةِ في الطِّيبةِ، والسّلاسَةِ، والقيمةِ، وعنفوانِ الرّوح.
جوسلين المُفَكِّرة، التزمَتِ التأمّلَ السّليم، وإِنِ الموجوع، فكان، معها، إيديولوجيا وِحدةِ الفكر. وتأمُّلُها تَبنّى، بحماسةٍ، قضيةً سامِيَةً هي قضيّةُ الوجودِ والإنسان، ولم يكن، أبداً، طقساً شعائريّاً له طابعٌ إصطِلاحيٌّ يُدنيهِ من العشوائيّة. لقد كانت مُسافرةً، أبداً، على بساطِ الرّيحِ، الى الجزءِ اللّاماديِّ الصّافي، حيثُ سِرُّ الرّوحِ عيدٌ، وغايةُ الوجودِ قداسة. هذا الرُقِيُّ الصّوفيُّ بلغَ بِجوسلين محطَّةَ التَبَصُّرِ في معرفةِ الله، والذّاتِ، والآخَر، وبِهذا، تبدأُ رحلةٌ في فِعلِ الكَون، حيثُ نورُ اللهِ، وحدَه، يَمنعُ الإنسلاخَ عنِ الحقيقةِ التي تَمتَدُّ ظِلالُها على النَّفسِ، فتَتَرَقّى.
لم تُقَدِّم جوسلين، في النّضالِ الوطنيّ، رِجْلاً وتُؤَخِّرْ أخرى، فمفهومُ الإلتزامِ، معها، مَصنوعٌ ثابتٌ من جرأةٍ يَرشحُ منها سِحرُ الكرامةِ، ونُضجُ العنفوان. والإلتزامُ كامِنٌ في يَقينِها، كُمونَ الإيمانِ في قناعاتِها، تُسكِرُ روحَها بِتَمتَماتِه، فَيَلَذُّ لها، معه، طَعمُ التّضحيات. نِضالُ جوسلين، لم يكن بارداً، أو شَحيحاً، لقد كان له، فيها، شجرةُ نَسَب، من هنا، شَبَّت في مُفتاحِ حياتِها ثورةٌ تَعصى على الإِتِّباعِ والخُضوع، فظَفرَتْ منها، بِما خاضَت، بِلسانِ صِدقٍ ينطقُ بِحقائقَ ثلاثٍ : أنّ النّضالَ، في مسيرتِها، عنصرٌ كريمٌ يُلتَزَمُ به، وأنّ لبنانَ لا يُربَطُ بَقاؤُهُ ولا تُصانُ كرامتُهُ إلّا بالنّضال، وأنّ هذه " المُقاتِلةَ " الواثِقةَ بِصورةِ الوطن، أضافَت، بقِتالِها المُؤمن، ما روى ظَمأَ النّضالِ الى التَّفاخُر، واقتَرَنَ إسمُهُ بها.
لم تُرِدْ جوسلين الحياةَ زاداً من الجاه، وقوّةَ شَغَفٍ بِحُطامِ الدّنيا، ولم تكنْ، في الوقتِ نفسِهِ، فاصلةً محدودةً في عَمَلِ الخَير، فظِلالُ خدماتِها، ومن دونِ تَقصير، تَفَيَّأَتها حاجاتٌ كثيرات. جوسلين الصّافيةُ النَّبعَة، والمُتَمَرِّسةُ بالفضيلة، لم تَهنَأْ بفُسحةِ فرحٍ وبنظامِ أُنس، إلّا بعدَ أن أَلقَت رَحلَها بين يَدَي الصّلاةِ والخدمة، فانتقلَت من روحٍ الى روح، ولم يَفُتْها طَورُ النّور. إنّ موقفَها مع الإنسان، هو نفسُه، موقفُها مع الوطن، ليسَ مَنحولاً ولا إصطناعيّاً، إنّه التزامٌ بقضيّةٍ ترفضُ مؤامرةَ الإِقصاءِ عن الوجودِ، والإِقصاءِ عن الحقِّ في الحياة. لذلك، كانت الصَّوتَ المسموعَ في مجالسِ المُساهمةِ باستعادةِ كرامةِ الإنسان، فاخضَرَّت هذه بعدَ يَبوسِها، وعلى جِدارِها تَركَت جوسلين بَصْمَةً لا تُمَّحى.
لقد آمنَت جوسلين الرّاجِحةُ الأَصالة، بأنّ الحياةَ أَبعَدُ من أن تنتهيَ حيثُ يقولُ النّاس، فعبَرَت فوقَ زمنِها بِتَواصُلٍ مُنفَتِحٍ، قَوامُهُ رسالةُ المحبّةِ التي توقِظُ الخَيرَ في النّفوس. وهذا امتيازٌ لا يُقرَأُ في كَرّاسة، إنّه هُتافُ الرّوحِ المُولَعُ بالمحبّةِ، والمُحَصَّنُ بالخَير، والذي لا يقدرُ على إيقاظِهِ إلّا البارِعونَ من أهلِ الصَّلاح. في عالَمِ المحبّةِ والحريّة، اتُّهِمَت جوسلين بالطوباويّةِ المِثاليّة، لكنَّ طوباويّتَها لم تكنْ تبحثُ عن فردوسٍ مفقود، بِقَدرِ ما تَمَظهَرَت تجربةً أنضَجَتها الحكمةُ الهادئةُ غيرُ المُستَسلِمة، والتي تَطاولَت على المستحيلِ واجتَنَت ثِمارَه. جوسلين، لم تكنْ صاحبةَ شِراعٍ مُمَزَّقٍ في بِركةِ الحياةِ المُتَمَوِّجة، إنّها تَحَدٍّ موصوفٌ استطاعَ أن يُنبِتَ أجنحةَ أَمَلٍ في أَنقاضِ النّفوسِ المَقهورة، وقد دَعَت جوسلين الناسَ الى مُشاركتِها هذا التَحَدّي، ونَجَحَت.
لم تستطعْ جوسلين المُطَعَّمةُ بِعُروقِ الوطنيّة، أن تُميتَ نفسَها شهيدةً، هي التي تَحَرَّقَت عواطفُها سَكْرى الى الكرامة، والتي لم يَنْضبْ تَغَوُّرُ حبِّها المَحتومِ للأرض. لقد حاولَ البكاءُ أن يتطاولَ عليها فَعَجِز، لكنّها بَكَت سِراً، ولم تُرِدْ أن يُسايِرَها فيهِ أَحَد؛ وعندما أَخفَت دَمْعَها، فعلى لَباقَة، واحتراماً لِمَن سقطوا، حتى لا يتشَوَّهَ عرسُ دَمِهِم بالنَّحيب. ما أَروعَ أن يُجعَلَ الدَّمعُ، مع جوسلين، كَلِسانِ الشَّمعةِ، لا يَخرجُ إلّا من صِدعِ القلب.
وبعد، عندما هَوَت جوسلين، وكأنّ طاقةً من الوردِ قُطِفَت قبلَ أن تَعقُد. لقد هَوَت جوسلين، وذَهَبَ صَدرٌ أَعظَمُ من بابِ لبنانَ العالي.

 

الدكتور جورج شبلي

 

المصدر: Kataeb.org

الكاتب: جورج شبلي