أعياد لبنان بلا زينة... الفرح بالحد الأدنى من الكلفة

أعياد لبنان بلا زينة... الفرح بالحد الأدنى من الكلفة

مع نهاية عام 2021 تفتقد أجواء الأعياد في لبنان الإبهار البصري والبهجة، ويعود جزء كبير من ذلك إلى حالة الفقر التي بدأت تنتشر في مشارق البلاد ومغاربها. وحدها الضحكات والدموع في استقبال المغتربين القادمين لقضاء فرصة الميلاد مع أهلهم تبدد جزءاً من الصورة الكئيبة، وبعيداً عن الحسابات لكمية الدولارات التي يمكن أن يضخها هؤلاء في الاقتصاد، يعطي هؤلاء للمقيمين جرعة من الدعم بأن هناك من يدعمهم في الخارج.


في المقابل، ينقص هذه الصورة الكثير من المؤثرات الخارجية كالزينة، فالمدن اللبنانية التي كانت تتسابق في بناء أعظم شجرة، وأجمل زينة، وأكبر مغارة، انكفأت على ذاتها واكتفت بالحد الأدنى منها "على القدر الذي توفره الميزانية". ينسحب هذا الأمر على المنازل التي استعادت الزينة القديمة لأن كلفة الشجرة بالحجم العادي تتراوح بين 80 و100 دولار أميركي، فيما اشتكى المواطنون من غلاء الأسعار، فعلى سبيل المثال فإن ثمن كيلو الكستناء التركية بـ200 ألف ليرة (سبعة دولارات أميركية)، وكيلو البزورات والقلوبات بدءاً من 600 ألف ليرة (21 دولاراً)، أي ما يوازي الحد الأدنى للأجور.

الأولويات العامة اختلفت

لا يخفى على أحد أن الأولويات اختلفت في لبنان هذا العام، ففي السابق ارتبط تنظيم حفلات أعياد الميلاد والزينة بالقوة والسلطة، إذ كانت تنطلق الفعاليات تحت رعاية سياسية وحزبية للبرهنة على قربهم من الناس، وقدرتهم على الحشد وتوزيع الهدايا على الأتباع، وكانت تلك الفعاليات مدعومة إلى حد بعيد من الأموال العامة، إلى أن جاء الانهيار المالي وانحسرت المساعدات، وباتت كلفة الزينة تقع على عاتق الرعاة الفاعلين.

من ناحية أخرى، تجنبت بعض القوى الناشطة في المجتمع المدني الإنفاق المفرط للأموال، وفضلت توجيهها إلى وجهات أخرى، أو لتقديم المساعدات المباشرة للعائلات الفقيرة.

تشير أمية كبارة، رئيسة جمعية "أنا وطني"، إلى مشاكل فنية وتمويلية تحول دون إقامة الزينة على نطاق واسع، لأن "أوضاع البلد المزرية اقتصادياً واجتماعياً، تقف حائلاً دون إقامة شجرة ضخمة، وقد ينعكس هذا سلباً على نفسية المواطن الفقير الذي يعجز عن تأمين ربطة الخبز، أو شراء تنك البنزين. لذلك لا بد من الإحساس بأوجاع الناس وعدم استفزازهم، وتوجيه الأموال لمساعدتهم".

وتلفت كبارة إلى التأثير التراكمي الذي نتج عن جائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت، "إذ بدلت سلوك الناس، ومنعت المجتمع المدني من إقامة فعاليات واسعة النطاق، معبرةً عن أملها في عودة الأمور إلى سابق عهدها بدءاً من العام المقبل". ودعت المواطنين إلى مزيد من التكافل الاجتماعي والتعاون لتجاوز المرحلة الصعبة، قائلة "اللبناني يحب الحياة، وقادر على تجاوز الصعوبات لذلك لا يجب أن يخضع لليأس".

 هدية واحدة لكل شخص

بالانتقال من أجواء الخارج إلى داخل المنزل، لا تختلف الأمور، وإن دفعت الأزمة الاقتصادية أكثر فأكثر اللبناني ليجلس في منزله ويكتفي بالحد الأدنى من الرفاهية. يحاول الأفراد والأسر التكيف مع الواقع المستجد، حيث بدأت تحد من الأنشطة الخارجية والسهر في المقاهي وأماكن الترفيه، وكذلك الاقتصاد في الطعام والشراب والزينة.

تختصر تجربة السيدة لوسيا نقولا (أم لأربع بنات) حالة عشرات الآلاف من العائلات التي تنتمي إلى الطبقة الوسطى، وباتت تعتمد إلى حد كبير على تحويلات المغتربين لتأمين التوازن في ميزانية الأسرة.

تلفت إلى "أن بناتها أقمن زينة المنزل انطلاقاً من الواجب الديني والاجتماعي، مقارنة بين حقبتين في الماضي كانت الزينة تمتد من أسفل الدرج إلى المدخل، وصولاً إلى داخل المنزل، وكل الزوايا، أما حالياً فاقتصرت على الشجرة، والمغارة، والزينة البسيطة القديمة، كما تخلت العائلة عن (بابا نويل)، والهدايا أسفل الشجرة، حيث كان كل فرد يأتي بهدايا لكل أعضاء العائلة من الأزواج إلى الأبناء، والأحفاد. أما هذا العام فكان هناك اتفاق داخل العائلة باعتماد القرعة، لكي يهدي كل شخص هدية بسيطة لآخر".

سفرة متواضعة للعيد

 تؤكد السيدة لوسيا التي تعمل مربية في إحدى مدارس عكار، أن "معاشها إلى جانب دخل زوجها لا يكفيان لأكثر من تأمين الطعام، والقليل من البنزين، ودفع اشتراك المولد. وتضطر في أكثر الأوقات إلى الاستدانة". وأضافت، "هذه الضغوط المادية ستنعكس بصورة مباشرة على مائدة العيد، فقد استغنت العائلة عن (حلوة البوش)، وستستعيض عنها بشراء بعض الهدايا لحفيداتها. وكذلك الحال بالنسبة إلى الكستناء التي أصبحت بعيدة عن متناول العائلة المتوسطة الحال، واستبدلت بها البطاطا التي زرعتها العائلة في أحد بساتينها، وكذلك حال المعجنات المنوعة تم شطبها من القائمة".

تشكو لوسيا من غلاء فاحش في الأسعار، فقد تضاعفت بما يزيد على عشرة أضعاف، "صحن الفتوش والتبولة بات عبئاً على العائلة". وكذلك عدم القدرة على التدفئة لأن "العائلة لم تتمكن من شراء الحطب لتشغيل المدفأة، لأن تسعيرة الطن تراوحت بين ستة وعشرة ملايين ليرة (بين 210 دولارات و340 دولاراً أميركياً)".

تتساءل لوسيا عن السبيل للفرح والصمود واستكمال الحياة الطبيعية في لبنان من دون بركة المغتربين، فهي تعمل مربية في مدرسة خاصة منذ 31 سنة، وتستعد للتقاعد قريباً، ومعاشها الشهري مليونين ونصف المليون (نحو 90 دولاراً) لا يكفيها لشراء بنزين للوصول إلى المدرسة، وتعبّر عن "غصة كبيرة بسبب إقامة ابنتها خارج لبنان، وخوف زوجها الأجنبي من القدوم إلى لبنان في زمن الأعياد، في ظل أوضاع أمنية غير مستقرة، وفقدان الخدمات الأساسية وتحديداً غياب الكهرباء".

الكشافة تزرع الفرح

يجد اللبناني نفسه مضطراً إلى كبح رغباته في احتفالات أعياد الميلاد، وفق مبدأ "إذا أردت أن تطاع، اطلب المستطاع"، وأمام هذا الواقع تقوم بعض الجهات بمحاولات لتخفيف معاناة الناس. ينطلق ماريو ناصيف (شاب عشريني) من تجربته في الكشافة للحديث عن إقامة مجموعة من الأنشطة الترفيهية والتثقيفية، وقد بدأ فوج الكشافة الأرثوذكسية سلسلة احتفالياته بدءاً من عيد البربارة، كما نظم جولة ميلادية للأطفال، كما يتحضر لإقامة نشاط في الفترة الفاصلة بين عيدي الميلاد ورأس السنة الميلادية، بالإضافة إلى توزيع الهدايا بتمويل ذاتي من الأهالي وصندوق الفوج، من أجل نشر الفرح في قلوب الأطفال والتخفيف من الوطأة النفسية للأزمة الاقتصادية على الأطفال.

المصدر: independent arabia

الكاتب: بشير مصطفى