البيطار ورفاقه: "صحوة" القضاة بوجه المنظومة ومصالحها.. وأسلحتها

البيطار ورفاقه:

بالنسبة لعدد من القضاة، المخضرمين، ما يقوم به المحقق العدلي في جريمة انفجار مرفأ بيروت، القاضي طارق البيطار، ليس إلا باب لـ"وجع الرأس". وبالنسبة لآخرين من هؤلاء القضاة، "عادةً ما يسعى قضاة إلى تجنّب الملفات الحساسة، أو حتى إبعاد بعض الجوانب تخفيفاً لساعات العمل والجهد أو حتى الضغوط". في مأزق مماثل، أوجدت السلطة نفسها به، لا تجد بعض المراجع القضائية مخارج قانونية أو دستورية للأزمة القضائية المتمثلة بالبيطار ودوره وملف المرفأ. على هذا الصعيد، "لا بد أن يكون الحلّ على الطريقة اللبنانية". كيف ذلك؟ من خلال أرنب مخفي في حديقة خلفية لمقرّ رسمي أو سياسي. أو عبر تسوية "مظليّة" تنزل كالعادة بالباراشوت على الناس رغم إرادتهم وقناعتهم وقدرتهم على الاستيعاب. لكن بالنسبة لكثيرين من اللبنانيين الخارجين من علب الطوائف والأحزاب ومنظومتها، فإنّ ما يقوم به البيطار يفوق الخيال وسقف التوقّعات.

 

ليس الرجل الخارق

ليس البيطار سوبرمان ولا أي رجل خارق آخر. قاض يقوم بعمله، حفاظاً على قَسَم قطعه للبنانيين والدولة والقضاء والقانون والعدل. لكنّ الرجل، حسب ما هو ظاهر، يقوم ببطولاته في مكتبه وبين أوراقه ومن دون جلبة ولا ضجيج. بعض من خبروه في السنوات الماضية ينقلون عنه قوله إنه يتمنى لو "يُسمح له البقاء في غرفة معزولة، وحده، لدرس ملفاته واتخاذ قراراته من دون الاطلاع على سولفات إعلامية أو تحليلات إخبارية". من دون مساعدين ولا مستشارين حتى. فقط لوحده، ليتّخذ قراراته. مع العلم أنه فعلياً لا يطّلع على نشرات الأخبار والمواقف السياسية إلا نادراً، حسب ما يسرّ مقرّبون منه. يدرك جيداً أن التحليلات لا تعنيه، فيبقيها خارج دائرة الاهتمام والتفكير، لتكون قراراته وخطواته حسب قناعته القضائية.

 

صحوة قاض

يعتبر البعض أنّ ما يقوم به البيطار في ملف انفجار مرفأ بيروت، يعبّر عن صحوة فعلية للقضاء. حتى أنّ ما قام به المحقق العدلي السابق القاضي فادي صوّان، في جزء كبير منه صحوة قضائية، من خلال الادعاء على رئيس ووزراء ومسؤولين في الدولة اللبنانية. وما يستمرّ البيطار في فعله يومياً، منذ أشهر، يؤكد الصحوة المنتظرة. تمسّك بالصلاحيات وبالاستجوابات وبالادعاء. قطع مذكرات توقيف غيابية بحق المشتبه فيهم المخالفين. عدم انصياع لخطاب أو موقف سياسي. شدّ الركب بعد تهديد وتلويح بـ"القبع". إدارة الأذن الصمّاء لمحاولة إرساء الفتن وإراقة الدماء في الشارع. اتخّاذ الخطوات والإجراءات اللازمة على قياس حقل أفخاخ مزروع بجثث تنهشها غربان السلطة.

 

صحوة ملف المرفأ

وإن كان القاضي طارق البيطار يتصدّر مشهد الصحوة، فإنّ قضاة آخرين كانوا بجرأته. في ملف المرفأ، جاءت قرارات قضائية واضحة لصالح الناس وبشكل عادل لا لبس فيه. رئيسة الغرفة الخامسة في محكمة التمييز القاضية جانيت حنا أوقفت محاولة عرقلة التحقيق وبتّت بطلب الردّ المقدم ضد القاضي البيطار بالشكل، من دون التبليغ ومن دون النظر فيه. ورئيس الغرفة الأولى من محكمة التمييز، القاضي ناجي عيد، أسقط طلب ردّ آخر ولو أنه قام بتبليغ البيطار وعطّل التحقيق لأيام. وقد يكون عذر عيد معه، على اعتبار أن تبايناً حصل مع أحد المستشارين لديه، ولم يأت قرار إسقاط "الردّ" بالإجماع. ورئيس الغرفة رقم 12 في محكمة الاستئناف في بيروت، القاضي نسيب إيليا، أسقط العرقلة أيضاً في دعوى الردّ المقدمة ضد البيطار. هي صحوة، أو التفاف قضائي حول البيطار. صحوة أو التفاف سارعت السلطة السياسية إلى محاولة احتوائها، فكانت التعيينات القضائية التي شملت أعضاء مجلس القضاء الأعلى قبل عشرة أيام تقريباً.

 

صحوة قضائية عامة

بعيداً عن ملف المرفأ، شهدت الساحة القضائية خلال الأشهر الأخيرة العديد من القرارات التي جاءت لصالح الناس ضد مؤسسات أو مسؤولين أو مصارف، يشكّلون بشكل أو بآخر وجهاً من وجوه السلطة ومنظومة الحكم. قرارات قضائية أبرزها تلك المتعلّقة بإلزام مصارف على تحويل أموال مودعين للخارج. أخرى تؤكد على حقوق الطلاب في دفع أقساطهم المدولرة على السعر الرسمي لصرف الدولار (1507 ليرة). وآخر يقرّ بالحجز الاحتياطي على الأسهم العائدة لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، بناءً لشكوى ضده بجرائم النيل من مكانة الدولة المالية وحض الجمهور على سحب الأموال المودعة في المصارف، وبيع سندات الدولة، إضافة الى الإهمال الوظيفي والاختلاس. والحكم الصادر في ملف الطفلة إيلا طنّوس في سابقة قضائية في قضايا الأخطاء الطبية، وللمصادفة مصدر الحكم أيضاً القاضي البيطار.

 

قرار جدايل

وكل هذا من دون نسيان الحكم الصادر قبل أشهر عن القاضية ناديا جدايل الذي برّأ المتظاهرين البالغ عددهم 14 المدعى عليهم في ملف "بلاطة لو غراي" خلال تظاهرات النفايات عام 2015. نطقت جدايل يومها بالحكم وقدّمت قراراً قضائياً أشار إلى أنّ "الشعب ضاق ذرعاً من تسلسل الأزمات التي، بمعزل عن مسبّبها، حرمت المواطن من أدنى مقوّمات الحياة الكريمة"، معتبرةً أنّ "التظاهر وجه من وجوه حرية التعبير والحرية في المجتمع- بل هو واجب كل مواطن صالح يسعى إلى تكريس مبدأ محاسبة المسؤولين". فتبنّت مطالب الناس وكرّست حقوقهم "الأساسية والبسيطة في الحق بالصحة وكرامة العيش"، حسب نص الحكم.

 

صحوة والتفاف

تؤكد المحامية في "المفكرة القانونية" غيدة فرنجية على أنه "لا شك أن ثمة صحوة في ‏الجسم القضائي لحماية المجتمع بوجه الكثير مما يتعرّض له. شاهدنا مثلاً العديد من القرارات القضائية من محاكم البداية لحماية المودعين، لكن معظمها تمّ فسخه من قبل قضاة محكمة التمييز. لذا نتساءل لو أنّ القضاء ألزم المصارف ‏بتسديد أموال المودعين، هل كان صدر قانون الكابيتول كونترول لحماية جميع المودعين بشكل متساو"؟ وفي ‏مقاربة هذه الصحوة، تشير فرنجية إلى ضرورة "التمييز بين مختلف المؤسسات القضائية داخل الجسم القضائي، إذ ‏يبقى أداء النيابات العامة على اختلاف أنواعها باتجاه حماية مصالح النافذين وموضع تساؤل في مدى حمايتها فعلاً للصالح العام". ‏وفي السياق نفسه يؤكد الناشط القانوني وعضو لجنة المحامين للدفاع عن حقوق المتظاهرين، المحامي أيمن رعد، على أنّ "القضاة ليسوا موظفين بل في موقع السلطة، والسلطة القضائية جزء من النظام ومنظومته". ويضيف أنّ "الصحوة" التي نشير إليها هي لدى قضاة العجلة والقضاة المنفردين. فالقاضي المنفرد غير مكبّل بمستشارين ولا بنيابة عامة، وأغلب هؤلاء من القضاة الصغار في السنّ.

وهو ما يمكن التأسيس عليه.

المصدر: المدن

الكاتب: نادر فوز