التشريع بالليرة والدفع بالدولار: خلاف الكهرباء يحسمه رياض سلامة

  • محليات
التشريع بالليرة والدفع بالدولار: خلاف الكهرباء يحسمه رياض سلامة

يشكِّل قرار المجلس الدستوري "وقف مفعول القانون رقم 215/2021، أي قانون منح مؤسسة كهرباء لبنان سلفة خزينة" بقيمة 300 مليار ليرة، مناسبة للغوص بكيفية تعاطي المنظومة السياسية مع ملف عميق كملف الكهرباء، وتحديداً في شقّه المتعلّق بتأمين الفيول اللازم لتشغيل معامل الانتاج. فهذا الفيول يؤمَّن منذ سنوات عبر سُلفات خزينة تُقَر بقوانين وتُدفَع بواسطة المصرف المركزي لصالح مؤسسة الكهرباء غير القادرة على إعادة السلفات المتكررة.

لكن تدهور الأحوال، وصولاً إلى انهيار قيمة الليرة والمَسّ بدولارات المودعين، جَعَلَ من الضروري التوقّف عند الآلية التي تعتمدها المنظومة لتمرير مبتغاها، ومنها التحايل على القوانين، حيث تنفيذ التشريعات يتم بصورة مغايرة لما يحمله النص الحرفي. 

بين الليرة والدولار

لم تكن إشكالية تحويل قيمة سلفات الخزينة من ليرة إلى دولار طافية على السطح، نتيجة الاستقرار الخادع لسعر الصرف، الذي دعمه مصرف لبنان من دولارات المودعين. فكان المصرف يحوِّل السلفات إلى دولار من دون إثارة الاعتراضات المشروعة التي كان يُفترض بالغيارى على المال العام والخاص، إبداؤها منذ سنوات، لتدارك جزء كبير من أسباب الأزمة الراهنة. 

السلفة التي أقرّها مجلس النواب في نهاية شهر آذار الماضي، حَمَلَت تناقضات جسّدها الفارق الكبير بين سعر الليرة وسعر الدولار. فالمؤسسة طلبت بدايةً 1500 مليار ليرة، وافق مجلس النواب على 300 مليار ليرة. وبما أن الفيول يُشرى بالدولار، باتت المؤسسة بحاجة إلى 200 مليون دولار، وهي القيمة الموازية لـ300 مليار ليرة، استناداً إلى سعر الصرف الرسمي، 1500 ليرة للدولار. 

إشكالية قيمة السلفة

مصرف لبنان يموِّل السلفات المتكررة من حسابات الخزينة العامة لديه. لكنّ الأخيرة مقوَّمة بالليرة، ما يعني أنه كان يُجري تحويلات من الليرة إلى الدولار من خارج حدود حسابات الخزينة. وجرياً على العادة، يُفترَض بالمركزي شراء 200 مليون دولار بواسطة 300 مليار ليرة، وهو أمر يستحيل اليوم مع تخطّي سعر صرف الدولار 12 ألف ليرة، لأن قيمة الـ200 مليون دولار لم تعد 300 مليار ليرة، وإنما نحو 2400 مليار ليرة. 

الفجوة الكبيرة التي أحدثها تبدّل سعر الصرف خلقت إشكالية، وقف أمامها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة معلناً رفضه تحويل السلفة، ليس لأنه يخاف على المال العام والخاص، فهو مهندس هذا الانهيار. لكن جفاف الدولارات من محفظة المصرف، وهدر دولارات المودعين في أعقاب تمويل عملية دعم السلع وانكشاف فداحة القرار، فضلاً عن محاولة بعض أركان المنظومة تحميل سلامة كامل المسؤولية عن الانهيار، وخصوصاً فريق التيار العوني، الذي يطالب بتمويل السلفة لتفادي التقنين.. كل ذلك، دفع سلامة إلى الامتناع عن تنفيذ التحويل، وساندته بعض القوى السياسية، ومنها الحزب التقدمي الاشتراكي، والقوات اللبنانية التي دفعت تكتّلها المعروف باسم تكتل الجمهورية القوية، إلى تقديم طعن بقانون السلفة أمام المجلس الدستوري.

وعدم تنفيذ سلامة للتحويل لا يعني أنه يخالف القانون. فلا قانون يلزمه إجراء التحويل، وإنما هو ملزم بإعطاء السلفة بالليرة وفق عملة الحساب المفتوح لديه للخزينة. 

النص مقابل النوايا

قرار الدستوري وَضَعَ التيار العوني، المتمثّل بتكتّل لبنان القوي، في مواجهة تكتل الجمهورية القوية وحاكم المركزي المغضوب عليه عونياً، في مواجهة مفتوحة، قد يؤجّجها القرار النهائي للمجلس الدستوري في حال قرر إبطال القانون. لكن ذلك قد لا يحصل لأن الدستوري ينطلق من النصوص الحرفية للقانون، وليس من النوايا التي انطلق منها المعترضون. 

القانون بالنسبة للمجلس، ينص حرفياً على دفع قيمة 300 مليار ليرة. وهو أمر لا لبس فيه. فيما النوايا التي تساوي بين 300 مليار ليرة و200 مليون دولار، فليس للمجلس اختصاص بها، حتى وإن صرَّحَ المسؤولون السياسيون بأنهم يريدون 200 مليون دولار. وبالتالي، لا مجال أمام الدستوري لإبطال القانون. وهو إن جمّد تنفيذه يوم الثلاثاء 4 أيار، فذلك إجراء طبيعي تفرضه الحاجة إلى الوقت لدراسة ملف الطعن، والخروج بحكم مناسب. فلا يمكن تنفيذ القانون فيما يواجه طعناً يمكن أن يؤدّي إلى إبطاله. فالدستوري في هذه الحالة يتفادى إصدار حكم بالإبطال بمفعول رجعي. إذ لا يمكن استرجاع قيمة السلفة في حال دفعها وإتمام عملية الشراء. فمؤسسة كهرباء لبنان لا تملك المال لإعادته، ومصرف لبنان ليس هو الجهة المختصّة بالدفع وتحمّل المسؤولية. بل هو عبارة عن حافِظة للمال الخاص بالدولة، ليس إلاّ.

في هذه الحالة، الحسم قانونياً ليس في صالح المعترضين. ومع ذلك، يملكون سلاحاً أقوى، وهو التزام الحاكم بالامتناع عن تحويل قيمة السلفة إلى دولار. على أن الالتزام في هذه الحالة هو التزام أخلاقي يريد العونيون القفز فوقه، ومد اليد إلى دولارات المودعين، رغبة منهم في تأمين الكهرباء وإن على حساب الناس. 

حسم الجدل

هو جدل قد يطول، وقد يحمل معه تأخيراً في شراء الفيول. ما قد يضع الناس في آتون المفاضلة بين أموالهم أو العتمة، وهو منطقٌ يرفضه المدير العام السابق للاستثمار في وزارة الطاقة، غسان بيضون، الذي يرى في حديث لـ"المدن"، أن السجال الحاصل حول السلفة أمر شائك. إذ أن "تأمين السلفة أمر ضروري لشراء المحروقات، وإلا سنعود إلى دوامة الحديث عن تقنين إضافي للكهرباء، وفي الوقت عينه لا يمكن ابتزاز الناس ومد اليد إلى أموالهم لتحويل السلفة من ليرة إلى دولار".

والحل بالنسبة إلى بيضون هو "وضع ضوابط لتأمين ثمن الفيول وكيفية إدارة ملف الكهرباء بدءاً من وزارة الطاقة. فالمعضلة اليوم تحتاج إلى حزمة تدابير علاجية ولا تنتهي عند قرار المجلس الدستوري أو حتى موافقة المركزي على تحويل قيمة السلفة إلى دولار. علماً أن السيولة التي يملكها المركزي هي موجودات شائعة وليست مخصصة لتمويل بند محدد كالسلفة". ومن هنا، يلفت بيضون النظر إلى ضرورة "إصدار قانون يضبط استخدام ما تبقى من سيولة لدى مصرف لبنان، فالالتزامات كثيرة والسيولة قليلة. في المقابل، على الدولة إيجاد مصادر تمويل بالدولار، فلديها مرافق وحقوق وأصول تستطيع استثمارها".

المصدر: المدن