الحاكم النّاجح يكون وداعه أعظم من استقباله ؟!

الحاكم النّاجح يكون وداعه أعظم من استقباله ؟!

بتاريخ 2021/12/8 وبعدَ ستّةَ عشّرَ عاماً وخمسة عشر يوماً ، غادرت المُستشارةُ الألمانيّة انجلا مركل مَنصِبها لتتَقاعد في سن السّابعة والستّين!
أنجلا مركل، إبنة قسّيس من برلين الشّرقيّة ، بَدَت في عملِها السِّياسي أشبَه" بالأمّ تيريزا" في عمَلِها الإنساني... كانت تظهرُ مُرتَدِيَةً " تايّور" ( جاكيت وبنطلون )مثل زيّ الشرطة البلديّة أيّام زمان... ومع ذلك صُنِّفَت في عِداد العَبْقريّة الجِرمانيّة التي وَلدت من رَحَمٍ واحد أهمّ العُلماء كأينشتاين ، وأروع العباقرة كبيتهوفن، وأعظم مُخترع في التّاريخ كهوفمان الذي قدّمَ للإنسانيّة جبّةَ " الأسبيرين " دون أن ننسى كارل ماركس وجنون هتلر وأعاجيب سيّارة المرسيدس... سلسلةُ عظَمَةِ الألمان كَثيرة ، وكلُّ كثيرٍ يُقالُ فيها يبقى قليلا ...؟!
أنجلا مركل ، غادرت السّياسة مِن دون ِعَودَة ، كما أكّدَت في آخرِ مُقابلةِ أدْلَت بها لِقناة " دولتشه فيله " حين قالت : لن أكونَ وسيطاً في النّزاعات السّياسيّة ، لقد قُمتُ بذلكَ لسّنّواتٍ طويلة ... ما الذي ستَقوم به إذاً بعد تقاعُدِها ، تُجيب : " القِراءة والنّوم" !!
غادّرّت بهدوء مَقَرَّ المُستشاريّة للمرّة الأخيرة ، بعدَ أنْ ودّعها الشّعب بِحفاوةٍ بالغة ، وودّعَتْهُم بدموعٍ بقيَت محبوسةً في عَينيها ...! أليسَ الشّعبُ من يُقرِّر مصير زُعمائِه ؟!
أمّا في إسبانيا ، فماذا يذكر التّاريخ؟
أثناء آخرٍ جلسةٍ لمجلس الوزراء ، ترأسها الجنرال فرنكو ، أُصيبَ بِعارضٍ صحيّ ، ففاحت رائحته الكريهة ودَخَلَ في غيبوبة ، فنُقل الى المستشفى حيث راحت الوفود تتوافد للإطمئنان...!! بعد فترةٍ ، إستفاق الجنرال من غيبوبته وسأل أحدَ مُرافقيه : ما هذا الضّجيجُ في الخارِج ؟ أجابَهُ ، إنّهُ الشّعب ُ الإسباني وقدْ جاءَ لوداعِكَ... إستغربَ الدكتاتور مُتَسائلاً :" لَيْشْ لَوَيْن مسافر الشّعب الإسباني "؟؟!! هذا رأي الجنرال : الحاكِم يبقى والشّعبُ يرحل ...!!!!
أمّا عندنا، فالسيّد الرئيس ، منذ ظُهُوره على المسرح السّياسيّ ، كانت المَصائِبُ –معه- تتوالى عن قصدٍ وعن غير قصد ، قَبْلَ الرِئاسة : دُموعٌ و دِماء ، دَمارٌ وخَراب ، حربُ تحرير، إخوةٌ أعداء، حربُ إلغاء ، احتلال قَصْر الشّعب ، الهروب المُذِلّ والعودةُ الذّليلة ... مع الرِئاسة : وباءٌ وبلاء ، جوعٌ ومجاعة ، إعاشة بعد معاش ، إفلاس بعد بحبوحة ، إنهيار على كلّ المستويات وكانّه يحملُ شعار ماوتسي تونغ : " السياسةُ هي حربٌ بدونِ سفكِ دماء والحربٌ هي سياسةٌ دامية ..."
فهل تجوزُ مُقارنةُ أيّامه بأيّام أنجلا مركل ، وفارقُ السنّ عشرون عاماً ، وفارق الإنجازات كالفارِقِ بينَ الجنّة والنّار؟ ومع ذلك ، غادرت طوعاً مُعزّزة مُكرَّمة الى القراءة والنّوم؟ أم نقارنه بعهدِ الجنرال فرانكو؟؟
في إحدى المقابلات التلفزيونية المُحضّرة سلفاً ، قال السيّد الرئيس " المش عاجبو في يهاجر " ، فهاجرَ نصفُ الشّعب ... ولاحقاً ، وردّاً على سؤال إحدى المُراسلات والآن الى أين؟ أجابَها : الى جهنّم ، فسقط فيها النصّفُ الآخَر الباقي من الشّعب ... ومع اقتراب نهاية العهد ، تعهّدَ سيّدُ العهد بعدم تسليم العهد الى الفراغ ، لا بل وبرغبةٍ ساحقة وشهوةٍ ماحقة ، قال وبكلّ تواضع : " إذا ارادَ المجلسُ النيابيّ تمديدَ عَهدي او تَجديده، فأنا حاضر... مَنْعاً لِلفراغ الرِئاسيّ "، وقد بَدا في آخرِ مُقابلةٍ على قناة الجزيرة وهو يُعاني من صَمتٍ مُريب وتركيزٍ مُعيب في التواصل والكلام ...!
كثيروُنَ يَعتَقدِون أنّ السّيدَ الرئيس وصلَ عام 2016 بعُمرٍ مُتقدّمٍ الى رِئاسة الجمهوريّة ويتساءَلون كيف يتحدّثون عن التّمديد له عام 2022 ؟
تقولُ الرّواية، أنّ جدّتَهُ كانت تُداعبهُ في صِغَره مُرَدّدةً :" يا بو الميش ويا بو الميش إنشالله قدّي رح بتعيش "
إذا صَدَقَت الرّواية ، فإنّ جدّتهُ عاشَت 106 سنوات ، ممّا يعني — وقياساً – أنّه وصلَ "شابّاً" الى الرئاسة وإذا تمّ التّمديد له او التّجديد فلَنْ يكونَ في عُمرٍ مُتقدّم ولَو شارَفَ على التّسعين... أطالَ الّله بعُمره وبعُمْرنا وبعمر الوطن !؟
وهُنا ، وربّما في الإعادة إفادة ... فماذا لو استعادَ سليمان الحفيد كلام الجنرال عن سليمان الجَدّ ،إبّان انتخابات رئاسة الجمهوريّة عام 1988 وذكّره قائلاً : " عمرو 80 سنة ( سليمان فرنجية) وما بيقدر يرَكّزْ أكتر من ساعة او ساعتين بالّنهار ، بها العمر ما منعود نَعرِف أيمتا بكون خرفان وأيمتا بكون واعي، الرّئاسة بدها حدا يكون شَبّ ومْنيح..."
فَهَل ما كان يَعيبُ عودة الرّئيس سليمان فرنجيه وهو في الثمانين ، لا يعيب رغبة الجنرال وهو في السّابعة والثّمانين؟
مع سليمان فرنجيه كان " الوطن " دائماً على حَق ! ومع ميشال عون بات "الجنرال " وحدَه دائماً على حَق ؟!
في مصر عندما حاولَ " النّحاس باشا " تجديد الثّقة في حُكومتِه ، إعتَلى المِنبَر النائبُ المُعارِض " مكرم عبيد " وقالَ عبارَتَه الشّهيرة في مُواجَهَةِ شَهوَةِ التّجديد : " أمّا بعد ، فالنّحاس باشا قد اشتهى... فانتهى " ... فرَحَلَت الحكومة ...!
إلى كُلِّ قائدٍ يَرغبُ ويشتهي نقول : " حِكمة الأوطان أن تبقى ، وقَدَرُ القّادة أن يرحلوا... وَوَحْدهُ الحاكمُ النّاجِح يكونُ وَداعُه أعظَم مِن استقبالِه ... ؟!

المصدر: Kataeb.org

الكاتب: المحامي انطوان القاصوف