تداعيات حرب ١٩٦٧ على الانتخابات النيابية عام ١٩٦٨

تداعيات حرب ١٩٦٧ على الانتخابات النيابية عام ١٩٦٨

اذا كان تأثير الاحداث الإقليمية والدولية بين عامي ١٩٦٤ و١٩٦٧ ضعيفًا نسبيًا على مجريات الاحداث المحلية، بإستثناء ما يتعلق بنمو الحركات والمنظمات الفلسطينية في لبنان، ولكن ما سبق حرب حزيران ١٩٦٧ وما جرى خلالها وما نتج عنها كان لها وقع شديد على لبنان، خاصة على مسار العملية الانتخابية عام ١٩٦٨ ونتائجها. فنذكر بدايةً، انه ومع بداية العام ١٩٦٧ انتشرت في بعض الدول العربية، خاصة تلك المتاخمة لإسرائيل بروباغندا معادية للمسيحيين في الشرق، على الرغم من ان قسمًا كبيرًا من المسيحيين في لبنان كان قد اعلن ومنذ اتخاذ الأمم المتحدة قرارها الشهير في ٢٩ تشرين الثاني سنة ١٩٤٧، والقاضي بتقسيم فلسطين، موقفًا مؤيدًا للفلسطينيين. كما نذكر في هذا المجال وعلى سبيل المثال لا الحصر ما كان قد اعلنه حزب الكتائب في اكثر من مرة من ان لبنان لا ينظر الى فلسطين الا نظرة العرب اليها، وأيا تكن مشاكله الخاصة، فهو لن يكون له رأي غير رأي الدول العربية ولا مسعى غير مسعاها. إلا ان ذلك لم يحل دون اطلاق شعارات معادية للمسيحيين والقيام باستفزازهم في اكثر من دولة عربية، فرفع في مصر مثلاً شعار "اليوم دور اهل السبت، وغدًا دور اهل الاحد". وتجدر الإشارة الى ان الدوافع الحقيقية وراء هذه الدعاية، والمتعلقة بصورة أساسية بالترسبات التاريخية من حرب الفرنجة الراسخة في الوجدان واللاوعي عند العرب والمسلمين، تجييش العرب والمسلمين اكثر فأكثر في الحرب ضد إسرائيل.
في تلك الفترة، كان حزب البعث، والذي كان قد وصل عام ١٩٦٣ وبفضل انقلاب عسكري الى السلطة في سوريا، يعاني من ضغوطات محلية تعيق عملية استيلائه على كامل مفاصل الدولة. فوجد له مصلحة في حرف انظار السوريين، كما بعض العرب، وخاصةً جمال عبد الناصر، من خلال رفع مستوى التهديد مع إسرائيل. في المقابل، استدرك جمال عبد الناصر خطط نظام البعث في سوريا، فوجد له مصلحة ايضًا في رفع مستوى التهديد مع إسرائيل، اضف الى ذلك الى انه لم يكن مرتاحًا ابدًا الى سيطرة الأردن على مدينة اورشليم/القدس. فقام عبد الناصر في أيار ١٩٦٧ بفرض حصار على مضيق تيران مانعًا السفن الإسرائيلية من العبور من مرفأ ايلات الى البحر الأحمر، إلا ان هذا القرار كان موازيًا لإعلان الحرب ضد إسرائيل او ما يعرف باللغة اللاتينية بمفهوم Casus belli. وهكذا قررت الحكومة الاسرائيلية الشروع في عملية عسكرية ضد مصر ابتداءً من صباح الخامس من حزيران ١٩٦٧. وبدأت العملية الإسرائيلية عبر قيام الطائرات الحربية الإسرائيلية في ذلك النهار بتدمير كامل السلاح الجوي المصري. وهكذا اندلعت حرب حزيران. عملت موسكو سريعًا، وبسبب الخسارة الفادحة التي مُنيت بها الدول العربية التي موّنها بالأسلحة منذ اليوم الأول للحرب، وبالتعاون مع واشنطن، على وضع حدّ نهائي لهذه الحرب في مجلس الامن.
وبسبب انعدام كفاءة الجيوش العربية مجتمعة امام الجيش الإسرائيلي، كما ولانعدام التعاون والتنسيق بين الدول العربية، مُنيت هذه الأخيرة بخسائر فادحة على كافة الجبهات وعلى كافة المستويات ونجحت إسرائيل وخلال ستة أيام من هزم ثلاث دول عربية، ومن وضع يدها على أجزاء كبيرة من أراضي الضفة الغربية وعلى مدينة اورشليم/القدس، وقطاع غزة والجولان أي ما يوازي حوالي أربعة اضعاف مساحة إسرائيل قبل هذه الحرب. وفي حين ان إسرائيل لم تتكبد اكثر من ٧٠٠ قتيل، تكبدت الدول العربية المحاربة مجتمعة حوالي ٢٧٠٠٠ قتيل. ويعود نجاح إسرائيل السريع في احتلال الجولان الى رفض حافظ الأسد، الذي كان وزير الطيران الحربي ووزيرًا للدفاع، مواجهة تقدم القوات الإسرائيلية بحجة عدم قدرة الجيش السوري على مواجهة الجيش الاسرائيلي، هذا بالإضافة الى وقوف السكان الدروز في هضبة الجولان الى جانب الجيش الإسرائيلي. إلا ان حافظ الأسد قد نجح بعد عدة سنوات من استغلال هذه الهزيمة للقضاء على خصومه المحليين والقيام عام ١٩٧٠ بانقلاب على سلطة حزب البعث الحاكم واستلام السلطة. أما فيما يتعلق بالأردن، فلم يكن يملك هذا الأخير القوة الكافية التي تمكّنه من مواجهة الجيش الإسرائيلي الزاحف نحو الضفة الغربية، خاصة نحو مدينة اورشليم/القدس التي شكّلت بالنسبة للجيش الإسرائيلي الهدف الوحيد جاعلةً من الوصول اليه الإعلان الرسمي لانتصاره، وذلك نظرًا لمكانة هذه المدينة عند اليهود منذ اقله القرن العاشر قبل الميلاد.
بعد حرب ١٩٦٧، لم يعد الرئيس جمال عبد الناصر باستطاعته إلا ان يرضخ لبعض الظروف وبعض الفئات. كما أدت هزيمة ١٩٦٧ ليس فقط الى تغيير في القيادات والأنظمة فحسب، بل ايضًا الى أزمة في المفهوم الشامل للقومية العربية. ونشأت في تلك الفترة تقريبًا في كل العالم العربي حركات سياسية جديدة بقيادة زعماء جدد، أخذت تهدد الأنظمة القائمة. كانت تصوراتها بسيطة للغاية، فاجتذبت الفئات الحائرة والتائهة والمشككة. وكما هي الحال في الازمات الشديدة، بحث الافراد وكذلك الشعب عن تعزية لهم باللجوء الى الدين. وهذه ظاهرة تعتبر غالبًا طبيعية، خاصةً وان غالبية المسلمين رأوا في هذه الهزيمة عقابًا من الله بسبب ابتعاد المسلمين عن القرآن وعن الشريعة. كما كان من نتائج حرب حزيران ١٩٦٧ تراجع شعبية عبد الناصر في العالم العربي، كما وتحولت الهالة المعنوية التي رافقت سياسة عبد الناصر تجاه إسرائيل الى الميليشيات الفلسطينية التي حلّت تدريجيًا محل التيار الناصري الآفل. وما ساعد في ذلك حصول هذه المنظمات على دعم مالي كبير من دول الخليج العربي، وعلى دعم سياسي تمثّل من خلال السماح لها في مؤتمر القمة العربية المنعقد في الخرطوم بعد هزيمة ١٩٦٧، بأن يُمارس النشاط الفدائي الفلسطيني انطلاقًا من مصر، وسوريا، والأردن، وانما ليس من لبنان. ولم يبق اخيرًا امام عبد الناصر، وبهدف لملة خسارته للزعامة في العالم العربي وكما بهدف الحيلولة دون تمكّن سوريا من استغلال منظمة التحرير الفلسطينية، سوى تقديم الدعم المعنوي لياسر عرفات، وما كان لهذا الدعم ان يكون لولا وقوف الاتحاد السوفياتي وراء عبد الناصر
اما في ما يتعلق بتأثير حرب ١٩٦٧ على لبنان، فقد تراجعت الهالة الكبيرة التي كان يمتلكها جمال عبد الناصر في الشارع اللبناني، وخاصة في الشارع السني. فانعكس ذلك وبطبيعة الحال على مكانة الرئيس السابق للجمهورية فؤاد شهاب الذي كان مواليًا الى حد ما لعبد الناصر. كما بدأت بيروت، وبعد تلك الحرب، تفتح شوارعها وانديتها لراية فلسطين ولصوتها. ورفع كمال جنبلاط وتيرة خطابه اللبناني والعربي والقى تبعة الهزيمة على الأنظمة العربية التي قال انها لا تستحق كلمة "نظام"، وحمّل الحكام مسؤولية الانكسار العسكري امام إسرائيل نتيجة سنوات من ممارسة الديكتاتورية والقهر والتفرقة والجشع في استغلال الثروات العربية واهدارها لحساب تلك الأنظمة والعائلات مقابل تعميم الفقر والجهل والتخلّف والضعف على الشعوب والمؤسسات العامة، واولها مؤسسات القوى المسلحة. واعتبر جنبلاط رفع البندقية الفلسطينية في وجه إسرائيل رمزًا يمثل انتفاضة الشعوب العربية للضغط على الأنظمة حتى تعيد بناء الجيوش واعدادها لخوض حرب شاملة.

دفعت كل هذه العوامل غالبية المسيحيين الى الالتفاف حول احزابهم، وتحديدًا الكتائب والاحرار والكتلة الوطنية، والتي وجدت فيها، وبعد فقدانها الثقة بالشهابية وادواتها، الاطار السياسي الوحيد القادر على حماية الوجود والدور المسيحي لبنان. وهكذا شكّل العامل النفسي الاجتماعي le facteur sociopsychologique الدافع الأقوى في تحديد سلوك الناخبين المسيحيين، وفي دفعهم الى التصويت، وبكثافة، لمرشحي لوائح الحلف الثلاثي الذي جمع كل من الكتائب والاحرار والكتلة الوطنية.

المصدر: Kataeb.org

الكاتب: د. مارك ابو عبدالله