قانون انتخابات ١٩٦٠ الشهير

قانون انتخابات ١٩٦٠ الشهير

بعد انتهاء أزمة ١٩٥٨ وما نتج عنها من ثورة مضادة، انتهج الرئيس فؤاد شهاب سياسة متوازنة، مرتكزة على الاتفاق الأميركي-المصري الذي قضى بعدم التدخل بشؤون لبنان الداخلية. وتزامن ذلك مع تصريح مهم لصائب سلام دعا فيه الى المصالحة بين المسلمين والمسيحيين "أبناء الوطن الواحد". وفي ١٤ تشرين الأول ١٩٥٨، شكّل صائب سلام حكومة مصّغرة، جمعت وزيران سنّيان هما سلام نفسه وحسين العويني، ووزيران مارونيان هما بيار الجميل وريمون اده. ورفع سلام في هذه الحكومة شعار "لا غالب ولا مغلوب". وكان الرئيس فؤاد شهاب، وقبل تشكيل هذه الحكومة قد وضع مسودة عمل لها هدفت الى تعزيز التعاون بين اللبنانيين وتأمين الحدّ الأدنى من التوازن بين القيادات اللبنانية التقليدي من خلال قانون الانتخابات. إلا ان الأهم في تلك المسودة كان تضمنه بندًا حول حياد لبنان، إذ رأى الرئيس فؤاد شهاب ضرورة العودة بالسياسة الخارجية اللبنانية الى حيادها التقليدي الذي تقرر عام ١٩٤٣. لا انحياز ولا امتياز ولا مركزًا ممتازًا ولا قواعد ولا تحالفات ولا تسهيلات عسكرية، وإلغاء كل تعاقد يتناقض وهذا المبدأ. وكان يقول في ذلك: "ما من مرة حاولت احدى الجهات الخارجية استغلال فئة في لبنان إلا استثارت حساسيات فئات أخرى معاكسة. بل استثارت ما هو اكثر من الحساسيات، الخصام والصدام وفتن الاقتتال والتذابح. والتاريخ يشهد بذلك وعليه. ليس من مصلحة لبنان ان يسمح لأي فريق من افرقاء المذاهب والنزاعات الطائفية بالالتجاء الى التدخلات الخارجية".

 

يعود تمسّك الرئيس فؤاد شهاب بمبدأ الحياد، ليس فقط الى ما نتج عن الدخول في سياسة المحاور والتحالفات من ازمة في صيف ١٩٥٨، بل ايضًا الى ما استخلصه من دروس وعبر من تاريخ الامارة الشهابية التي كان يُفاخر بالانتساب اليها. ومن بين هذه الدروس، وقوف الأمير بشير الشهابي الثاني على الحياد يوم غزا نابوليون بونابرت عكا عام ١٧٩٩، وذلك على الرغم من العداوة الشديدة بينه وبين احمد باشا الجزار والي عكا. والدرس الثاني، ما تكبّده لبنان من دمار وخراب وقتل وتهجير بسبب وقوف الأمير بشير الشهابي الثاني مرغمًا هذه المرة الى جانب محمد علي باشا، والي مصر، الذي عزم على استقلال مصر وتوسيع نطاق حكمه عبر ضم منطقة الساحل الشرقي للمتوسط في عام ١٨٣٢ في تحدّ مباشر للسلطنة العثمانية. ومن بين الأسباب التي دفعت فؤاد شهاب الى اعتماد سياسة الحياد، كانت ان مفهوم الحياد كانت قد تداولته، قُبيل ازمة ١٩٥٨، نخب مسيحية، ومن بينها البطريرك الماروني، بولس المعوشي، ورئيس حزب الكتائب بيار الجميل. ويبدو ان لجوء شهاب الى اعتماد سياسة الحياد تجاه الصراعات الإقليمية، وتحديدًا الصراعات بين الدول العربية، ما رده، في مكان ما، الى عزمه على استقطاب الشارع المسيحي. 

 

شكّلت هذه الاسس الخطوط العريضة للحياة السياسية في لبنان حتى اقله حرب ١٩٦٧، وطبعت هذه الخطوط بطبيعة الحال مسار العمليات الانتخابية ونتائجها في دورات ١٩٦٠ و١٩٦٤، إذ بات تأثير العامل الخارجي اقل بكثير من الدورات الانتخابية السابقة كما وتلك التي جرت عام ١٩٦٨ و١٩٧٢.

 

 

إلا انه وقبل البدء بالتحضير للعملية الانتخابية عام ١٩٦٠، كان ثمة ثأر بين فؤاد شهاب وكميل شمعون وكمال جنبلاط: معارضة شمعون ان يخلفه شهاب الذي لم يتقبّل بسهولة مشاركة الحزب السوري القومي الاجتماعي في "ثورة ١٩٥٨" حليفًا لسلفه، وسقوط كمال جنبلاط في الانتخابات النيابية عام ١٩٥٧. فكان على فؤاد شهاب في الأشهر الأولى من عهده ردّ الاعتبار الى الزعماء الذين اسقطهم كميل شمعون في انتخابات ١٩٥٧. فكان هدفه هذا في واقع الامر دوافع تعديله قانون الانتخابات. كما وأدرك الرئيس فؤاد شهاب ان قانونًا جديدًا للانتخابات النيابية يتسع لاستيعاب مختلف الزعامات والقوى السياسية، من شأنه ان يشكّل المدخل الضروري لاستقرار النظام السياسي من جهة، وان يطلق عجلة الدولة في الإدارة والاقتصاد والتنمية من جهة أخرى. وما ساعد الرئيس شهاب في اطلاق يده باتجاه تأمين هذا التوازن بين القيادات السياسية اللبنانية، وخاصة السنّية منها من خلال تلبية مطالبها والمتعلقة باقتسام الوظائف العامة مناصفة بين المسيحيين والمسلمين. وذهبت هذه السياسية، والتي كانت نتاجًا لرغبة الرئيس فؤاد شهاب الشخصية، الى حدّ اتخاذ الطابع الشرعي. كما ساهم اتفاق الرئيس شهاب مع الرئيس جمال عبد الناصر في تثبيت التوازن المحلي بين القيادات اللبنانية، إذ قام الرئيس المصري، مقابل عدم انخراط لبنان في محاور عربية وإقليمية تشكّل تهديدًا لمصر وسوريا على السواء، بالتعامل مع لبنان من الندّ الى الندّ أي من رئيس دولة الى رئيس دولة من دون التواصل بين عبد الناصر والقيادات اللبنانية الموالية له في لبنان. ما ساهم، من جهة، في ترسيخ استقلال لبنان، ومن جهة أخرى، في نجاح فؤاد شهاب من اجتذاب الناصرية الى شهابيته هو، لا انقياد هذه الى الزعيم المصري.

 

في ٢٦ نيسان نشر الرئيس شهاب القانون الجديد وهو يقع في تسعة فصول موزعة على ٧٣ مادة، هذه ابرزها:يتألف مجلس النواب من ٩٩ عضوًا، وتكون مدة ولايتهم ٤ سنوات (المادة الاولى).تتألف الدائرة الانتخابية من القضاء شرط ان لا يقل عدد النواب فيه عن اثنين والا ضُمّ الى القضاء المجاور. يستثنى من هذه القاعدة مراكز المحافظات، ويجوز فصلها عن القضاء او تقسيمها الى اكثر من دائرة (المادة الثانية).

 

أراد الرئيس فؤاد شهاب من هذا القانون التخفيف من حدة الانقسام الطائفي الذي ساد خلال صيف ١٩٥٨، وذلك من خلال تبني تقسيمات انتخابية متعددة الطوائف في اغلبها حيث يقوم الناخبون بانتخاب نواب من طوائف أخرى. وكان الهدف من هذا القانون ايضًا تحقيق هدفين: الأول المحافظة على مواقع البيوتات السياسية التاريخية والزعماء التقليديين وادوارهم ومصالحهم حيال ناخبيهم تمثيليًا وسياسيًا وطائفيًا، بالرغم من إبقاء مناطقهم اسرى نفوذهم، والهدف الثاني السماح في الوقت نفسه في إمكان نشوء طبقة سياسية جديدة لا تدين بالولاء لهم بالضرورة.

 

وتجدر الإشارة الى انه قد شهد لبنان، ووفق هذا القانون، اربع دورات انتخابية متتالية في الأعوام ١٩٦٠، ١٩٦٤، ١٩٦٨، و١٩٧٢. وقد انعكس ذلك بطبيعة الحال على الأوضاع السياسية التي عرفت حد ادنى من الاستقرار خلال تلك الفترة. وقد اعيد العمل بهذا القانون، وبعد ادخال بعض التعديلات عليه، في الانتخابات النيابية لعام ٢٠٠٩.

المصدر: Kataeb.org

الكاتب: د. مارك ابو عبدالله