لا الجنرال ماك أرثر يَهمّه ولا الخليفة عمر بن الخطّاب يعنيه؟!

لا الجنرال ماك أرثر يَهمّه ولا الخليفة عمر بن الخطّاب يعنيه؟!

كتب المحامي انطوان القاصوف:
  " لا الجنرال ماك أرثر يَهمّه ولا الخليفة عمر بن الخطّاب يعنيه " ؟!
    كانت اليابان، دولة ديكتاتوريّة، إستبداديّة، عدوانيّة، إستعماريّة.. "كاميكازية"، أقلقت دول الجوار من كوريا إلى روسيا إلى الصين.. ولم تتاونَ عن الغدر بالولايات المتحدة الأميريكية في "برل هاربر"، طالبها الرئيس هاري ترومان بالإستسلام فرفض حكّامُها، فكان العلاج سريعاً، قاسياً، ساحقاً، ماحقاً، عندما ألقى عليها في الأول من آب 1945 القنبلة الذرّية الأولى التي دمّرت "هيروشيما" تدميراً كاملاً وقتلت أكثر من سبعين ألف ياباني.. ولم تستسلم، حتى فاجأها بعد ثمانية أيام "بالضربة القاضية" بقنبلة ثانية قضت على مدينة "ناكازاكي"، فأعلنت اليابان في العاشر من آب 1945 إستسلامها دون قيد أو شرط ..!
    في 15 آب 1945 عيّن الرئيس ترومان، الجنرال ماك أرثر قائداً أعلى لقوات الحلفاء في اليابان، وهو صاحب العبارة الشهيرة "سوف أعود" عندما تمّت "عملية إجلائه" من الفيليبين بعد الحصار الياباني...
    في 2 أيلول 1945 تمّت إجراءات إستسلام اليابان وتسلّم "الجنرال المحتل" وثيقة الإستسلام الرسمية اليابانيّة فوق ظهر البارجة الأميريكية "ميزوري" في خليج طوكيو..
    خلال "خمس سنوات" تناسى ماك أرثر "العداوة المتبادلة"، فأشرف على إعادة بناء اليابان بشراً وحجراً ونظاماً:
-إنشاء حكومة ليبراليّة والتحوّل إلى نظام ديمقراطي.
-تكليف هيئة لوضع مسودة دستور جديد.
-نزع السلاح من الجميع بما فيهم القوات المسلحة اليابانيّة.
-إلغاء طبقة النبلاء.
-تطبيق نظام الإصلاح الزراعي والقضاء على نظام الإقطاع.
-إعادة بناء الصناعة اليابانية.
-الإنفتاح الكلّي على الثقافات والحضارات والعلوم.
-تحوّل اليابان الى أحد أكبر رموز السلم في التاريخ...!
  وقد حققت هذه الخطوات، إنتقال اليابان من الخراب والدمار إلى الرخاء والإزدهار، حتى أنّ نهضة اليابان الحديثة تدين بالفعل لمرحلة التحوّل التي أدارها الجنرال مارك أرثر..
    في 25 حزيران 1950، كان ماك أرثر قد أصبح في السبعين من عمره و"حلم الرئاسة" لم يفارقه،  حين اندلعت الحرب الكورية، فأصدر الرئيس ترومان أمره  إلى "الجنرال" لقيادة  قوة عسكرية لإجراء المقتضى..  
عند مغادرتهً اليابان للقيام بمهمته الجديدة، خرج اليابانيون بالملايين ليودعوا "المحتل" المغادر، متناسيين عقدة القنبلتين الذريتين وللتعبير عن عرفانهم بالعملية الجراحية التي غيّرت وجه اليابان إلى الأبد.. وكانت حناجرهم تصدح:
     "شكراً ماك أرثر ... شكراً أيّها الجنرال"؟!
وفي لبنان "جنرال محلي" إنطلق في "طموحه الرئاسي" الذي لا حدّ له من معادلةٍ قديمة ودائمة:
    "هناك كرسي فارغ، إمّا أن يعزموني عليه، وإمّا أن آخذه بالقوة.."!!؟؟
    فكيف يمارس الديمقراطيّة صاحب هذه النظريّة؟!
لا بل كيف يكون المجلس النيابي غير شرعي قبِل إنتخابه رئيساً، وبعد أن إنتخبه هذا "المجلس غير الشرعي" وأقسم اليمين أمامه، يصبح الإنتخاب ديمقراطياً وتمسي اليمين دستوريّة؟! بين الوصول الوصولي والإنتصار البطولي تَكْمُنُ الإنتهازية!
    في مسيرته الممتدّة من قيادة الجيش إلى رئاسة الحكومة الإنتقاليّة، إلى الهروب المُذِّلّ بفعل سلاح المحتلّ، إلى العودة الذليلة في قطار المحتلّ أيضاً مع العبارة الشهيرة  "... راجع" إلى سياسة التعطيل، إلى "الترفيع" إلى سدة الرئاسة، إلى العهد القوي، إلى الإنهيار الكبير والسقوط الخطير... ليس هناك يومٌ محدّد أفضل من سواه...!!
    كان أملنا أن تتغيّر ثقافة "جنرالنا"، فتغيّرت حياتنا وبتنا لا نعرف أنفسنا..؟!
    كنّا دولة شبه ديمقراطيّة، فأصبحنا دولة بلا نظام!
    كنّا دولة شرعيّة، فأصبحنا ميليشيا إستبداديّة!
    كنّا "وطن النجوم ومنارة الشرق"، فأصبحنا بلاد العتمة!
    كنّا "جماهير" العزّة والكرامة، فأصبحنا "طوابير" الذلّ والمهانة!
    كنّا "مصرف" الثقة والسريّة، فأصبحنا "القِجّة" البيتوتيّة!
    كنّا للشرق مستشفى ومصحّاً، فأصبحنا "نشحذ" حبّة الدواء!
    كنّا للعرب مدرسة وجامعة، فأصبحنا عصر جاهليّتهم!
    كنّا "مدعومين" في الغذاء والدواء والمشتقّات النفطية، فأصبحنا "منهوبين" من جمهرة من التجار غير الشرفاء، همّهُم الوحيد "أن تشرق الشمس في جيوبهم وتغيب في صناديقهم"!
    كنّا في مدينة تُدعى "بيروت– ستّ الدنيا "فحولّوها الى "بيروشيما"، فلا ضمير يؤنّب، ولا قلب يَحنّ، ولا عينٌ تدمع، ولا يدٌ تُعين...!؟
    كنّا وكنّا وكنّا... كنّا "جماعة" في دولة،  فأصبحنا "عصابة" في غابة...؟!
"الجنرال المحتل" ماك أرثر، إحتلّ دولة هو مُدَّمرها، فأعاد بناءها وحقّق لأعدائه "الإصلاح والتغيير" و"الجنرال المحلي"، رُفِّعَ إلى الرئاسة، فباع شعبه الأحلام والأوهام.. فبقيت المشاكل بدون حلول في ظلّ حاشية كفاءتها محدودة وشهوة السلطة عندها بدون حدود.. "تخلّفها أعمق من رؤيتها"!! 
    جنرال "سوف أعود" حقّق إنتصارات عسكرية وكان شعاره "في الحرب لا بديل عن النصر" وقام بإصلاحات بنيويّة في بلاد إحتّلها وأعتُبر أعظم الجنرالات الأميريكيين على مرّ التاريخ ومع ذلك لم يُحقّق حلمَهُ الرئاسي...
    وجنرال "... راجع" حقّق حلمَهُ الرئاسي وإن لم يحقّق أي إنتصار عسكري أو نجاح إصلاحي...!
    يُروى أنّ زوجة عمر بن الخطّاب، دخلت عليه عقب تولّيه الخلافة فوَجَدتْه يبكي، فقالت له:
"ألشيء حدث"؟!
قال: "لقد توليّت أمر الأمّة... ففكّرت في الفقير الجائع والمريض الضائع والعاري المجهول، والمقهور والمظلوم والغريب والأسير والشيخ الكبير.. وعرفت أنّ ربّي سائلي عنهم جميعاً، فخشيْتُ.. فبَكيْتُ.."!!   
تُرى ألم يُفكّر المسؤولون عندنا أو يخشوا يوماً بأنّ ربّهم سيسألُهم عن "حال" الوطن" و"أحوال" المواطنين؟!
       كان فولتير يقول: "إنّ السبيل الوحيد لحمْلِ الناس على التحدّث عنّا بالخير، هو أن نصنَعَ الخير.."؟!
    إلى كلّ مسؤول يحكم، وإلى كلّ مسؤول سوف يحكم، نقول:
إنّ أعظم محكمةٍ في تاريخ الإنسانيّة، هي وسادة ُ آخر اللّيل!
وأشرف قاضٍ بإحقاق الحقّ هو الضمير الحيّ!
وأعدل حكم بميزان العدالة هو حكم الحاكم على نفسه قبل الحكم على الآخرين..!!

المصدر: Kataeb.org

الكاتب: المحامي انطوان القاصوف