لبنان ساحة ملتبهة مقابل تهدئة جواره

لبنان ساحة ملتبهة مقابل تهدئة جواره

كتبت روزانا بو منصف في النهار: اصرار رئيس مجلس النواب نبيه بري على التأكيد ان " تغيير الدستور ليس واردا في جدول اعمالنا " شكل بالنسبة الى نواب شاركوا في الجلسة التشريعية ردا ضمنيا مباشرا على ما نمي اليه من جس للنبض قام به رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لبعض السفراء الذين دعاهم الاسبوع الماضي الى قصر بعبدا من اعداد فريقه اسبابا قانونية لسحب تكليف الكتل النيابية الرئيس سعد الحريري تأليف الحكومة. كان قصر بعبدا ينتظر منهم على الارجح لقاء ذلك رد فعل ايجابا او سلبا لرصد المفاعيل المسبقة المحتملة لخطوة من هذا النوع فيما كان سرب فريقه سابقا انه كان في صدد ارسال كتاب الى مجلس النواب لهذه الغاية وكان رد فعل الرئيس بري سلبا ازاءه فاختار الخروج بخطاب " مذكرة الجلب" امام اللبنانيين. ولا يبدو ان هذه الفكرة قد غادرته ولا يزال يبحث في كيفية اخراجها ويخشى نواب عندها ان تنجح المحاولات التي تكررت في الاونة الاخيرة من اجل جعل الخلاف حول الحكومة مسيحيا سنيا بعدما عطله التواصل السني المستمر من الحريري كما من رؤساء الحكومات السابقين مع البطريرك الماروني بشارة الراعي والالتقاء معه على اقتراحاته ومواقفه ولقاء السفير البابوي، وذلك في ظل التفاف سني واضح حول الحريري او في اسوأ الاحوال عدم وجود اصوات معارضة فعليا له
وهذا الدعم السني للحريري يصل الى حدود الاقتناع ان لا شيء يمكن ان يتنازل عنه كرئيس مكلف في الموضوع الحكومي لئلا يتحول اما الى حسان دياب اخر او الى رئيس لحكومة مماثلة لكل الحكومات السابقة وتاليا فان الامر عندئذ لا يستحق. وذلك فيما يبدي بري حذرا في الذهاب الى اقتراح التسوية التي يصر عليها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط والتي تقضي بنزع الذرائع حول الحقائب والاختصاصات من خلال احتمال توسيع الحكومة، قبل ضمانه استمرار " حزب الله" على موقفه السابق بمنع امتلاك اي طرف الثلث المعطل في الحكومة العتيدة علما ان المواقف الاخيرة المعلنة للفريق العوني او تلك المنسوبة لرئيس الجمهورية تشكل رسالة واضحة ببقاء الامور على حالها ورفض الوساطات من اي جهة اتت، اللهم ما لم تكن من الحزب نفسه الذي تثق غالبية سياسية انه من يؤمن الغطاء لهذا التصلب والمستفيد منه.

والموقف الاخير للمسؤول الايراني حسين امير عبد اللهيان يشكل النموذج الاحدث والابرز على الامتداد الاقليمي لما يجري في الموضوع الحكومي بعدما وضع الفريق المسيحي في السلطة كل ثقله لدى الحزب في ظل مقاطعة عربية واضحة له اضطر السفير السعودي في ضوئها الى التغريد انه لبى الدعوة الى قصر بعبدا بعد ثلاث دعوات من رئيس الجمهورية.
ويخشى ديبلوماسيون وسياسيون في ظل هذا المنحى من الذهاب الى عمل امني ما مفتعل من اجل فرض شروط التسوية او الحل تماما كما سبق اتفاق الدوحة اذ ان ما حذر منه بري من لا بلد يبقى بعد شهرين اذا استمر الواقع الراهن انما يستهدف الجميع بمن فيهم اهل السلطة المعرقلين فيما ان اي تنازل مرفوض من جانبهم حتى الان ويريدون فرضه على الاخرين. اذ ان ما رصد في الاسابيع الماضية كان ايضا طبيعة ردود الفعل الديبلوماسية الخارجية على تفاعلات الواقع اللبناني. فاظهر الاميركيون عدم استعدادهم للانخراط حتى الان ولا استدراجهم عبره او اليه .

وهو ما عبر عنه سابقا الموقف المشترك للخارجيتين الاميركية والفرنسية وكذلك موقف السفيرة الاميركية دوروثي شيا من قصر بعبدا. فيما ان الفرنسيين زادوا من نسبة استياء افرقاء سياسيين على شمولهم في تأنيب السياسيين اللبنانيين واهانتهم من دون تمييز في محاولة منهم لتجنب الظهور في موقف غير حيادي لم يكسبهم في المقابل تجاوب المعرقلين بل ادى الى المزيد من التصلب ما دام الجميع سواسية ولا يشعر المعرقلون انهم مستهدفون فعلا. كما ان العجز الفرنسي برز في الاستعانة بالاتحاد الاوروبي كما بالاميركيين ايضا. وحتى ان الدخول الروسي على خط الازمة والذي استنجد به فريق السلطة من اجل ترجيح كفته على خلفية اغاظة الاميركيين واستدراجا لهم من اجل رفع العقوبات على النائب جبران باسيل على ذمة من نقل عن قصر بعبدا قوله ان الاخير لن يفرج عن الحكومة قبل رفع العقوبات عن رئيس التيار العوني، فانه تهاوى على اثر زيارة وفد " حزب الله" الى موسكو والذي ترجم بتغيير واضح من الحزب ازاء كل تسهيلاته السابقة في الموضوع الحكومي.

كما يخشى هؤلاء ان يكون لبنان عاد ليشكل ساحة ملتهبة في ظل الهدوء الذي ذهبت اليه بعض دول الجوار فيما كان هادئا حين كانت ساحات هذه الدول مشتعلة لا سيما الحرب الاهلية في سوريا. وعودة لبنان ساحة ملتهبة كما كان زمن الحرب حيث كانت تتطاير الرسائل الاقليمية والدولية في ظل حروب داخلية دامية لكن من دون الدخول في حرب مماثلة كما في الماضي من شأنها ان تؤدي الى خلاصات يعتقد البعض في ضوئها ان " حزب الله" هو الذي سيخرج رابحا منها لكي يعيد بناء لبنان على مرتكزات مختلفة. فيما يعتقد اخرون ان انهيار البلد سيؤدي الى انهيار الحزب كذلك وسيتم تحميله المسؤولية
يسأل البعض : هل ثمة من يستفيد من الجلوس على رصيف الانتظار حتى حصول المزيد من الانهيار فيما يتموضع غالبية الافرقاء على خلفية انتخابات نيابية وانتخابات رئاسية مقبلة على نحو يمكن توظيف الانهيار لاحقا ؟

 

المصدر: النهار

الكاتب: روزانا بو منصف