ما بين اسقاط النظام وتطوير النظام

ما بين اسقاط النظام وتطوير النظام

في كل مرة يتحرك الشارع في لبنان بدوافع اقتصادية واجتماعية مشروعة وتحت سقف الدستور الذي يكفل حرية التعبير والاجتماع، يُرفع شعار اسقاط النظام السياسي في لبنان. ويدخل عندها حابل المطالب الاجتماعية المحقة بنابل المطالب السياسية المتناقضة، مما يؤدي الى ضياع الاثنين معًا. ويترافق ذلك مع لامبالاة غير مسبوقة من  قبل المعنيين بالأوضاع الاقتصادية، مما يؤدي الى زيادة اليأس وانعدام الرؤية المستقبلية داخل المجتمع. وهنا تكمن الخطورة الكبرى، اذ يفقد المجتمع قوة تأثيره على السلطة السياسية. من هنا تُطرح مجموعة اسئلة محورية: هل المطالبة بإسقاط النظام واقعية؟ الى أي درجة يُعتبر النظام السياسي مسؤولاً عما وصلت اليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية؟ هل هناك بديل أكثر واقعي غير اسقاط النظام؟

بدايةً لا بد من القول ان شعار اسقاط النظام الذي يُرفع بين الفينة والأخرى في بيروت منقول عما رفعه الشباب العربي في اكثر من مدينة عربية. إلا ان هناك اختلافات جوهرية وعميقة مابين طبيعة النظام اللبناني وطبيعة بعض الأنظمة العربية. فالنظام اللبناني، القائم على مبدأ المشاركة، متجذر في التاريخ، وهو يعود أقله الى أيام الامارة المعنية (١٥١٦-١٦٣٣) يوم قام امراء تلك الاسرة الدرزية بإشراك الموارنة في صنع القرار. ومنذ ذلك الحين أتت الأنظمة اللاحقة لتعزز هذا المبدأ، مع الامارة الشهابية (١٦٩٧-١٨٤٠)، ونظام القائممقائميتين (١٨٤٠-١٨٦٠)، ونظام المتصرفية (١٨٦١-١٩١٥)، ودولة لبنان الكبير (١٩٢٠-١٩٢٦)، والجمهورية اللبنانية (١٩٢٦الى يومنا هذا). وقد كان لهذه التجارب المتراكمة دورًا محوريًا في تعزيز الهوية اللبنانية المتميزة وبناء المجتمع اللبناني، الذي نجح في عدة محطات من بناء الدولة وترسيخ مفهوم ماهية مؤسساتها، ومن الأمثلة على ذلك تجربة الرئيس فؤاد شهاب (١٩٥٨-١٩٦٤). في المقابل، لم تعرف معظم الدول العربية المجاورة التجارب ذاتها، فهي ومنذ قيام السلطنة العثمانية عام ١٥١٦، لم تكن إلا مجرد ولايات عثمانية يحكمها في اغلب الأوقات حاكم عسكري عثماني. كما انها لم تشهد بعد الاستقلال اية محاولة لبناء مؤسسات دولة، بل كل ما شهدته كان بناء أنظمة شمولية واستبدادية.

لا يلاقي شعار اسقاط النظام في لبنان أي حماس شعبي، فليس للمجتمع اللبناني أي تجربة نضال اجتماعية، فحتى الثورة التي اندلعت عام ١٨٥٨، والتي بدأت وكأنها اجتماعية، سرعان ما تحولت، وبعد سنتين وبسبب تدخلات دولية الى حرب أهلية. وفي مجال اخر،لقد اثبتت التجارب، وكما دائمًا، ان المرتكز الأساسي للنظام اللبناني، والذي يُعرف اليوم في القاموس السياسي اللبناني بالطائفية السياسية، ليس عاطلاً بالمطلق. فهذا المرتكز الذي سمح لقسم كبير من اللبنانيين المنتمين الى طوائف واقليات بالمشاركة، وان بطريقة نسبية، بصنع القرارات السياسية، مما أدى الى تعزيز العيش المشترك بين اللبنانيين وتحويل لبنان الى نموذج يُحتذى به. وهذا ما دفع الشيخ بيار الجميل الى القول بأن لبنان: "قدم للبشرية اختراعين عبقريين الابجدية وصيغة اصيلة للتعايش بين الأديان والطوائف". ولم تكن يومًا هذه الصيغة السبب المحوري للحروب والفتن، القليلة نسبيًا مقارنة مع الفترات الطويلة من العيش المشترك، بل غالبًا ما كانت الأسباب موجودة في ما وراء الحدود، والتي كان الهدف الأساسي منها تحويل لبنان الى مجرد حلبة صراع وصندوق بريد. ومن ناحية أخرى، وفي حين ان الأنظمة العربية التي سقطت في السنوات الأخيرة بفضل الضغط الشعبي في الداخل، من جهة، والمخططات الدولية، من جهة أخرى، في المقابلليس هناك من وجود لأي مخطط دولي، اقله الى يومنا هذا، يهدف الى اسقاط النظام اللبناني. بل على العكس هناك إرادة دولية بالمحافظة على النظام اللبناني بالشكل الذي هو عليه، لأن سقوطه سيؤدي حتمًا الى سيطرة فئة على فئة وسقوط مفهوم المشاركة، كما سقوط النموذج الوحيد في العالم للتعايش المسيحي-الإسلامي. وسقوط هذا النموذج يُعتبر في مكان ما خسارة كبيرة للحضارة الإنسانية.

بناء على ما تقدم،فان تبني شعار اسقاط النظام لا يتلائم وطبيعة وتركيبة المجتمع اللبناني.إلا ان ذلك لا يمنعننا من الاعتراف بوجود مكامن ضعف في النظام اللبناني وجب العمل على اجتثاثها، من خلال تطوير النظام وليس اسقاطه. فأولاً لا بدّ من الإشارة الى ان دوافع تكريس الطائفية السياسية في النظام اللبناني كانت خوف الأقليات كافة من مسيحية واسلاميةوالمكونة للمجتمع على وجودها كما على دورها ومصيرها. لذلك فإن المطلوب اليوم هو التخفيف من ذلك الخوف وذلك عبر وقف المزايدات المذهبية التي تُستخدم في استقطاب الشارع من هنا وهناك، واستبدال شعار حقوق الماروني والارثوذكسي والكاثوليكي والسني والشيعي والدرزي بشعار حقوق وواجبات الوطن والمواطن والدولة. والتخفيف من الخوف يكون عبر تطمين كافة الطوائف الى المحافظة على دورها في صنع القرار السياسي والاقتصادي، وذلك لا يتحقق إلا من خلال توسيع صلاحيات المجالس المحلية، أي البلديات، وإقرار مفهوم اللامركزية الإدارية الموسعة. لإن تحقيق هذه المطالب الأساسية سيساهم حتمًا في تعزيز المشاركة من خلال تشديد الرقابة الشعبية على المسؤولين كما ومن خلال تعزيز مفهومي المسائلة والمحاسبة الضروريتين في مكافحة الفساد وبناء دولة عصرية ومتطورة.

وبناءً عليه، فإن الشعار الوحيد الملائم لتركيبة المجتمع اللبناني والذي يجب رفعه في شوارع بيروت هو شعار تطوير النظام اللبناني، والذي هو وبكل الاحوال احد اهم شعارات حزب الكتائب. وما على القيّمين على هذه التحركات المطلبية إلاّ وقف الاتهام العمومي الذي يعتبر حتمًا تبرئة عمومية، إذا ما كان هناك فعلاً من إرادة حقيقية لتحقيق المطالب الاجتماعية والاقتصادية. 

المصدر: Kataeb.org

الكاتب: د. مارك ابو عبدالله