متى تلتقي شجاعة الشّعب مع حكمة المسؤولين ؟!

متى تلتقي شجاعة الشّعب مع حكمة المسؤولين ؟!

عندما إنهار أحدُ المناجم ، منذ فترة، في التّشيلي ، قضى ثلاثة وثلاثون عاملاً ، تسعة وتسعين يوماً على عُمق سبعماية متر ، تحت الأرض ... فقرّروا ان يعيشوا متضامنين كي لا يموتوا مُتفرّقين ، فراحوا يتقاسمون ، بعدالة، الأوكسيجين وبقايا الطّعام وما رشح من مياه مكيّفات الهواء : الطعام والمياه بمعدّل ملعقتين صغيرتين يوميّاً لكلّ عامل !!
طوال أيّام المحنة، بين عتمة الأبديّة ونور الحياة ، بين التضامن او الانزلاق الى أعمق تحت الأرض ، كانوا يؤمنون بأنّ طريقَ الخلاص هو الشّجاعة لا القوّة ، ويتّكلون على الحكمة التي تعمل " فوق " في الضّوء والشّجاعة التي يتحلّون بها " تحت" في العتمة ...
بالأملِ والشّجاعة ، بالحكمةِ والتضامن ، كان الخروج من الموت الى الحياة ...؟!
... ويبقى السؤال : الا تستحق هذه الحادثة بوقائعها المأساويّة ونهايتها السعيدة ، أن نأخذها عبرةً ومَثلاً ومِثالاً ؟ وما الفرق بين أولئك العمّال الذين كانوا تحت الأرض يتواصلون مع مَرجعيّتهم ، وشعبنا الذي بات في أرض " التحت " وكأنّ لا مرجعّية له؟؟!!
فيا أهل السلطة !
هل تذكرون ؟ هل تتذكّرون ؟ هل تقرأون؟ هل تتعلّمون ؟هل تعتبرون ؟
لقد أوصلتمونا الى " التحت " الذي ليس تحتَهُ من "تحت" ... الى العتمة ، الى الجوع، الى المَجاعة ،الى الوباء ،الى البلاء، الى الخوف وحتى الى الحنين الى الحياة...!
لقد بقيتم ، أنتم ، "فوق" في الضّوء ، تتناحرون على " مجد باطل " بروح الرّفض والكراهية ، تتنكّرون للواجبات، تتقاذفون الإتّهامات ، ومع تشكيل الحكومات تفكّرون بالتّعطيلِ قبل التّشغيل ، فبَدوْتم سُلطة ، كفاءتها محدودة وشهوتها بدون حدود، تخلّفها أعمق من رُؤيتها ، سُلطة بلا قرار في وطنٍ بألفِ قرار ؟؟!!
لقد جعلتُم السّياسة ، عندنا ، لعبةً بدون قواعد ولا ضَوابط، فأصبح الأمن قَلِقاً ومُقلِقاً وبات المال أوراقاً بلا قيمة تتطاير كورق الخريف !
وإزاء " شراكة " يُشتبه بدَوافِعها والمَرامي ، أصبحت تجارتنا عالمية :
الدولة تَستورد المدعوم ، والنصّابون أصحاب " دكاكين النزاهة والأمانة " والمُهرّبون المدعومون ، يُصدّرون المدعوم :
المشتقّات النفطيّة والمواد الغذائية وتوابعها الى سوريا !
الدّواء الى العراق!
" البيكون " الى افريقيا !
ولا تتعجّبوا ، ألم تروا البنّ المدعوم في متجر " هارولدز" في لندن ...؟!
أمّا الشّعب ، فمِن إشكالٍ الى مَعارك داخل "السوبرماركت" للحصولِ على مَجمع حليب للأطفال أو حتى قِنينة زيت ...؟!
فيا أهل السلطة!
الشعب ينتظر: شجعاتكم لا قوّتكم !
حكمتكم لا جنونكم !
تضامنكم لا فرقتكم !
حلولكم لا مشاكلكم !
واعملوا أنّ العناد في "الوطنيّة " قوّة ، أمّا في السياسة - في أكثر الأحيان- فهو ضعف ، وتذكّروا نلسون مانديلا ، بطل الصمود والتّصدّي من أجل حريّة واستقلال بلاده حين قال : " التخلّي عن فكرة خاطئة هو أيضاً قيادة "
ولا تنسوا أنّه لكلّ مَسؤوليّة مُترتّبة، مُساءَلة مُتوجّبة ؟!
أمّا انتم، يا شعب " التّحت " فتشَبّهوا بالذين كانوا مُحاصرين في العتمة تحت الأرض، كيف قرّروا العيش متضامنين خوفاً من أن يموتوا متفرّقين ..!
في الأزمات الكبرى ، يتصالح المُختلفون أمّا عندنا فيتخاصم المُتّفقون ، لذلك نراهم امامَ الخطرِ الدّاهم ، يتصرّفون كما " في قصّة شخصين ، يُطاردهما " دبٌ" إذ قال كلّ منهما في نفسه ليس عليّ أن أسبق الدّب ، يكفي ان أسبق الشخص الآخر ..." فلم يَعُد الدبّ هو الخطر ؟؟!!
... ورغم فقدان الأمل ،ولأنّنا نؤمن " بأنّه ليس هناك فرصة أخيرة في لبنان، بل هناك دائماً فرص أخرى" فنقول لأهل " الفوق" تسلّحوا بالحكمة، كما فعل أهل "الضّوء " كما نرجو من شعب " التحت " بأن يَتحَلّى بالشّجاعة ، على غِرار أهل " العتمة "... وهكذا تجتمع الحكمة مع الشجاعة ، فيستنير أهل الحلّ والرّبط بنورِ العقل ، فنَخرج جميعُنا من الموت الى الحياة ... الى قيامة الوطن ...؟!

المصدر: Kataeb.org

الكاتب: المحامي انطوان القاصوف